spot_img

ذات صلة

خلافات الناتو وأوروبا: مستقبل الدفاع الأوروبي في ظل ترامب

كشفت صحيفة «فاينانشال تايمز» عن تصاعد الخلافات بين قادة الاتحاد الأوروبي والأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، ينس ستولتنبرغ، حول النهج الأمثل للتعامل مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. هذه الخلافات، التي برزت بشكل واضح خلال اجتماع ميونخ الأمني، تعكس توترًا متزايدًا بشأن مستقبل الأمن الأوروبي ودور الولايات المتحدة فيه.

انتقد عدد من القادة الأوروبيين، خلال اجتماع ميونخ الأمني، ما وصفوه بنهج ستولتنبرغ «التصالحي» مع الرئيس الأمريكي، مطالبين بضرورة تعزيز الثقة في قدرات أوروبا الدفاعية الذاتية. يأتي هذا الانتقاد في ظل تصاعد المخاوف الأوروبية من تراجع الالتزام الأمريكي بالدفاع عن القارة العجوز، خاصة بعد تصريحات ترامب التي شككت في استمرارية الحماية الأمريكية لأوروبا، وتهديداته المثيرة للجدل بشأن صفقة محتملة لجزيرة غرينلاند.

تأسس حلف الناتو عام 1949 كتحالف دفاعي جماعي يهدف إلى حماية أوروبا الغربية من التهديدات السوفيتية خلال الحرب الباردة، ويقوم على مبدأ الدفاع المشترك المنصوص عليه في المادة الخامسة من معاهدته، والتي تعتبر أي هجوم على عضو بمثابة هجوم على الجميع. لطالما كانت الولايات المتحدة الركيزة الأساسية لهذا التحالف، مقدمةً القدرات العسكرية والقيادة الاستراتيجية. ومع ذلك، بدأت الدعوات لزيادة الاعتماد على الذات الأوروبية في الدفاع تكتسب زخمًا منذ سنوات، وتصاعدت بشكل ملحوظ مع وصول ترامب إلى السلطة وسياساته التي ركزت على «أمريكا أولاً» وتشكيكه في قيمة التحالفات التقليدية.

أثار ستولتنبرغ جدلاً واسعاً في فبراير الماضي عندما أكد أن أوروبا غير قادرة على الدفاع عن نفسها دون الدعم الأمريكي، واصفاً من يعتقدون عكس ذلك بـ«الحالمين». هذه التصريحات، رغم أنها تعكس واقع الاعتماد التاريخي على القدرات الأمريكية، إلا أنها فاقمت من الشعور بالإحباط لدى بعض القادة الأوروبيين الذين يسعون لتعزيز «الاستقلالية الاستراتيجية» للقارة.

في المقابل، سعت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، خلال مؤتمر ميونخ للأمن، إلى تعزيز بند الدفاع المتبادل في معاهدة الاتحاد الأوروبي (المادة 42.7)، وطرحته كبديل محتمل للمادة الخامسة من معاهدة الناتو المتعلقة بالدفاع الجماعي. هذه الخطوة تعكس رغبة الاتحاد الأوروبي في تطوير قدراته الدفاعية المستقلة وتقليل اعتماده على الولايات المتحدة، خاصة في ظل التحديات الأمنية المتزايدة.

ومع ذلك، تمسك الأمين العام للناتو بموقفه أمام الصحفيين في ميونخ، مؤكداً رفضه لفكرة أن تحل آلية الدفاع الأوروبية محل التزامات حلف شمال الأطلسي. شدد ستولتنبرغ على أن التعاون عبر الأطلسي يظل ضرورياً للأمن الأوروبي، مشيراً إلى أن أي محاولة لإنشاء هياكل دفاعية موازية قد تضعف الحلف بدلاً من تقويته.

هذه الخلافات ليست مجرد نقاشات داخلية، بل تحمل تداعيات عميقة على مستقبل الأمن الأوروبي والعلاقات عبر الأطلسي. على الصعيد المحلي والإقليمي، قد تدفع أوروبا نحو استثمارات أكبر في الدفاع وتنسيق عسكري أوثق بين دول الاتحاد، مما يعزز قدرتها على إدارة الأزمات بشكل مستقل. دولياً، يمكن أن تؤثر هذه التوترات على مكانة الناتو كقوة عالمية رادعة، وقد تستغل قوى مثل روسيا والصين أي انقسامات داخل التحالف. إن التوازن بين الحاجة إلى استقلالية دفاعية أوروبية والحفاظ على وحدة الناتو يمثل تحدياً استراتيجياً حاسماً للمستقبل.

spot_imgspot_img