تتجه أنظار المستثمرين والمحللين نحو الأسواق الأوروبية، حيث تُظهر الأسهم مرونة ملحوظة وقدرة على تجاوز التحديات المتزايدة، لا سيما في ظل التوترات التجارية والجيوسياسية الراهنة. هذا التفاؤل، الذي يعتمد بشكل كبير على بقاء الآفاق الاقتصادية إيجابية، جاء وفقاً لاستطلاع حديث أجرته وكالة بلومبيرغ، والذي كشف عن توقعات إيجابية لأداء الأسهم الأوروبية.
السياق العام والخلفية التاريخية:
لطالما كانت الأسواق الأوروبية عرضة للتقلبات الناجمة عن الأحداث العالمية، من الأزمات المالية الإقليمية مثل أزمة الديون السيادية في منطقة اليورو، إلى الصدمات الجيوسياسية الكبرى كخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وصولاً إلى التداعيات الاقتصادية لجائحة كوفيد-19. ومع ذلك، أظهرت هذه الأسواق قدرة على التعافي والتكيف. اليوم، تواجه أوروبا مشهدًا جيوسياسيًا معقدًا يتسم بالصراع المستمر في أوكرانيا، والتوترات في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى المنافسة الاقتصادية المتزايدة بين القوى الكبرى. هذه العوامل تخلق بيئة من عدم اليقين، لكنها في الوقت نفسه تدفع الشركات والحكومات نحو تبني استراتيجيات أكثر مرونة وتنوعًا، مما قد يساهم في تعزيز استقرار السوق على المدى الطويل.
توقعات إيجابية رغم التحديات:
يتوقع الإستراتيجيون أن يشهد مؤشر “ستوكس 600” الأوروبي، الذي يضم أكبر 600 شركة في أوروبا، ارتفاعًا بنحو 4% بحلول نهاية العام الحالي مقارنة بإغلاق الأربعاء الماضي، ليصل إلى 626 نقطة، وذلك وفقًا لمتوسط التوقعات. هذا الارتفاع يأتي بعد أداء قوي للمؤشر منذ مطلع العام الحالي، حيث ارتفع بنحو 3%، ومحققًا مكاسب ناهزت 17% في العام السابق (2023)، ليواصل بذلك نهج “البدايات المتفائلة” التي شهدتها السوق على مدى السنوات الثلاث الماضية. هذه الأرقام تعكس ثقة المستثمرين في قدرة الشركات الأوروبية على تحقيق الأرباح حتى في ظل الظروف الصعبة.
ارتفاع التقييمات وثقة المستثمرين:
في خطوة تعكس عدم اكتراثهما بارتفاع التقييمات أو حدّة التوترات الجيوسياسية، قام كل من “غولدمان ساكس” و”إتش إس بي سي” برفع مستوياتهما المستهدفة للمؤشر منذ آخر مسح أُجري في ديسمبر الماضي. ترتكز هذه الثقة على عدة عوامل رئيسية، أبرزها النمو الاقتصادي المتوقع، واستمرار نمو الأرباح للشركات، بالإضافة إلى تبني سياسات نقدية تيسيرية من قبل البنوك المركزية الأوروبية، وتسريع وتيرة الإنفاق المالي الحكومي لدعم البنية التحتية والمشاريع التنموية.
يُعد “إتش إس بي سي” حاليًا الأكثر تفاؤلاً، حيث رفع مستواه المستهدف للمؤشر من 640 نقطة إلى 670 نقطة، ما يشير إلى زيادة محتملة بنحو 11% من المستويات الحالية. وفي هذا الصدد، صرح جيري فولر، رئيس إستراتيجية الأسهم الأوروبية لدى “يو بي إس”، قائلاً: “مع ظهور بوادر ملموسة لوصول الحوافز إلى قطاع البنية التحتية بالفعل، فإن تسارع وتيرة النمو في أوروبا بات وشيكًا”.
مستوى مستهدف وقطاعات مفضلة:
وأضاف فولر أن “التوقيت مناسب، إذ إن التقييمات وصلت بالفعل إلى المستوى المستهدف، ومن المتوقع أن يرتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي إلى 650 نقطة بدعم من نمو الأرباح”. ويرى فولر وفريقه أن تسارع وتيرة النمو وارتفاع عوائد السندات يصبّان في مصلحة حملة الأسهم الدورية والقيمة، إذ يمكن لتوسع الهوامش أن يعزز الأرباح. ويفضلون قطاعات مثل الخدمات المالية والمرافق والنقل وتجارة التجزئة ومعدات الرعاية الصحية والأجهزة التقنية، التي يُتوقع أن تستفيد بشكل كبير من الانتعاش الاقتصادي والإنفاق الحكومي.
على الجانب الآخر، يتبنى محللون نهجًا متحفظًا تجاه قطاعات معينة مثل السيارات والكيماويات والأغذية والمشروبات والتبغ، إضافة إلى السلع المنزلية. ويعود هذا التحفظ إلى التحديات الناجمة عن تقلبات العملة، والرسوم الجمركية المحتملة، وتأثير التضخم على القوة الشرائية للمستهلكين في هذه القطاعات.
الأهمية والتأثير المتوقع:
إن الأداء القوي للأسهم الأوروبية لا يعكس فقط صحة الشركات المدرجة، بل يمتد تأثيره ليشمل الاقتصاد الأوروبي ككل. محليًا، يعزز هذا الأداء ثقة المستهلكين والشركات، ويشجع على الاستثمار والتوظيف، مما يدعم النمو الاقتصادي. إقليميًا ودوليًا، تُعد الأسواق الأوروبية لاعبًا رئيسيًا في الاقتصاد العالمي، وأي استقرار أو نمو فيها يبعث برسالة إيجابية للمستثمرين حول العالم، مما قد يجذب المزيد من رؤوس الأموال الأجنبية. كما أن مرونة هذه الأسواق في مواجهة التوترات الجيوسياسية تبرز قدرة أوروبا على التكيف والابتكار، مما يعزز مكانتها كمركز اقتصادي عالمي حيوي.


