أسهم أوروبا تسجل ذروة قياسية مدعومة بنتائج الشركات وتوقعات التضخم
شهدت أسواق الأسهم الأوروبية يومًا تاريخيًا، حيث سجلت مؤشراتها الرئيسية مستويات قياسية مرتفعة، مدفوعة بتقييم إيجابي من المستثمرين لسلسلة قوية من نتائج الشركات الفصلية. يأتي هذا الارتفاع الملحوظ في الوقت الذي تترقب فيه الأسواق العالمية صدور بيانات التضخم الأمريكية، والتي غالبًا ما تؤثر بشكل مباشر على قرارات السياسة النقدية للبنوك المركزية الكبرى، بما في ذلك البنك المركزي الأوروبي.
يُعد هذا الأداء القوي انعكاسًا لعدة عوامل اقتصادية وجيوسياسية متداخلة. فبعد فترة من التحديات الاقتصادية العالمية، بما في ذلك تداعيات الجائحة وارتفاع معدلات التضخم، بدأت الشركات الأوروبية تظهر مرونة وقدرة على تحقيق الأرباح، مما يعزز ثقة المستثمرين في آفاق النمو المستقبلي للقارة. كما أن التوقعات بتخفيف محتمل للسياسات النقدية في المستقبل القريب، وإن كان بحذر، تساهم في دعم معنويات السوق.
المؤشرات الرئيسية تسجل مكاسب متتالية
ارتفع المؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 0.1%، مواصلاً مساره الصعودي الذي يعكس زخمًا إيجابيًا واسع النطاق عبر القطاعات المختلفة. وفي ألمانيا، سجل المؤشر «داكس» مكاسب هامشية وسط تعاملات متقلبة، ليقترب بذلك من تحقيق مكاسب لليوم الحادي عشر على التوالي. إذا استمرت هذه المستويات، فستكون هذه أطول سلسلة ارتفاعات للمؤشر منذ عام 2014، مما يسلط الضوء على قوة الدفع الحالية في أكبر اقتصاد أوروبي.
تُظهر هذه المكاسب المتتالية أن المستثمرين يتجاهلون بعض المخاوف قصيرة الأجل ويركزون على الأساسيات القوية للشركات. فنتائج الأعمال التي فاقت التوقعات في العديد من القطاعات، من التكنولوجيا إلى الصناعات التقليدية، قدمت الدعم اللازم لهذه الارتفاعات. كما أن السيولة الوفيرة في الأسواق العالمية، والبحث عن عوائد أفضل في بيئة أسعار فائدة متغيرة، تدفع رؤوس الأموال نحو الأسهم الأوروبية.
تأثير المخاوف الجيوسياسية والسياسة النقدية
على الرغم من الأداء الإيجابي، لم تخلُ الجلسات من بعض التحديات. فقد اختتمت الأسهم الأوروبية جلسة الأمس عند مستوى مرتفع غير مسبوق، لكن المكاسب كانت طفيفة بفعل تجدد مخاوف المستثمرين إزاء استقلال مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي). جاء هذا القلق بعد تهديد الإدارة الأمريكية بتوجيه اتهامات لرئيسه جيروم باول، مما يثير تساؤلات حول قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات مستقلة بعيدًا عن الضغوط السياسية. إن استقلالية البنوك المركزية تُعد حجر الزاوية في استقرار الأسواق المالية، وأي تدخل سياسي قد يقوض الثقة ويؤدي إلى تقلبات.
في سياق متصل، أدى احتمال تمكن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب من فرض خفض أسعار الفائدة إلى ارتفاع سعر الذهب. يستفيد الذهب، الذي يُعد ملاذًا آمنًا تقليديًا، أيضًا من الطلب المتزايد عليه في ظل تصاعد التوتر الجيوسياسي العالمي. فالمخاطر الجيوسياسية، مثل الحديث عن سيطرة الولايات المتحدة على فنزويلا والعنف في إيران، تزيد من حالة عدم اليقين وتدفع المستثمرين نحو الأصول الأكثر أمانًا. وقد انعكس هذا القلق في ارتفاع المؤشر يورو ستوكس للتقلبات بمقدار 0.68 نقطة إلى 16.2، وهو أعلى مستوى له في أكثر من شهر، مما يشير إلى تزايد الحذر في السوق.
من المثير للاهتمام أن أسهم شركات المعادن النفيسة مثل أوروبيس وفريسنيلو كانت من بين أكبر الرابحين في القطاعات، كما شهدت أسهم شركات الدفاع ارتفاعًا بنسبة 0.5%، مواصلة مكاسبها للجلسة السابعة على التوالي. هذا الارتفاع يعكس بشكل مباشر التوترات الجيوسياسية المتزايدة حول العالم، حيث تتوقع الأسواق زيادة في الإنفاق الدفاعي من قبل الحكومات في ظل هذه الظروف. هذا القطاع غالبًا ما يكون ملاذًا للمستثمرين خلال فترات عدم الاستقرار العالمي، حيث يُنظر إليه على أنه أقل تأثرًا بالدورات الاقتصادية التقليدية.
آفاق المستقبل وتحديات النمو
بينما تحتفل الأسواق الأوروبية بهذه الذروة القياسية، يظل المستثمرون على دراية بالتحديات المحتملة. فبيانات التضخم الأمريكية القادمة ستكون حاسمة في تحديد مسار السياسة النقدية العالمية، والتي بدورها ستؤثر على تكلفة الاقتراض والإنفاق الاستهلاكي والاستثماري في أوروبا. كما أن استمرار التوترات الجيوسياسية يمكن أن يلقي بظلاله على النمو الاقتصادي العالمي ويعيد تشكيل سلاسل الإمداد، مما قد يؤثر على أرباح الشركات.
ومع ذلك، فإن الأداء الحالي يعكس ثقة متزايدة في قدرة الاقتصادات الأوروبية على التكيف والنمو. إن التزام الشركات بالابتكار والكفاءة، إلى جانب الدعم المحتمل من السياسات الحكومية، يمكن أن يمهد الطريق لمزيد من المكاسب. لكن الحذر يظل مطلوبًا، حيث أن الأسواق المالية بطبيعتها عرضة للتقلبات، وأي تطورات غير متوقعة قد تغير المسار بسرعة.


