أثار الشاعر والإعلامي البارز فهد عافت موجة جديدة من النقاشات الأدبية الساخنة في الأوساط الثقافية العربية، بعد طرحه رؤية نقدية قارن فيها بين قارئ الشعر والرواية من حيث طبيعة التلقي وسرعة الانفعال وإصدار الأحكام. وعبر منصة “قلّ ودلّ”، نجح عافت في تحريك المياه الراكدة في الساحة الثقافية، ممهداً الطريق لسجال فكري عميق شارك فيه نخبة من الأدباء والنقاد العرب، ليعيد إلى الأذهان الأسئلة الأزلية حول علاقة المتلقي بالنص الأدبي واختلاف أدوات التذوق بين الفنون البلاغية والسردية.
الجذور التاريخية للصراع بين الشعر والسرد
يمتد السجال بين أنصار الشعر وأنصار الرواية إلى عقود طويلة في تاريخ الأدب العربي الحديث. فبينما ظل الشعر لقرون طويلة هو “ديوان العرب” والوسيلة الأولى للتعبير عن الوجدان والهوية، فرضت الرواية نفسها منذ منتصف القرن العشرين كـ “ديوان العصر الحديث”، مستقطبةً شريحة واسعة من القراء بفضل قدرتها على تفكيك الواقع ورصد التحولات الاجتماعية المعقدة. هذا التحول التاريخي جعل المقارنة بين جمهور الفنين مادة خصبة للنقاش المستمر حول من يمتلك التأثير الأكبر على وعي المجتمعات.
طبيعة التلقي لدى قارئ الشعر والرواية
في تشخيصه المثير للجدل، ذهب فهد عافت إلى أن قارئ الشعر يتسم بالانفعال السريع والقدرة على إطلاق الأحكام الفورية على الأشخاص والأشياء، مستنداً في ذلك إلى طبيعة القصيدة نفسها؛ فالشاعر لا يحتاج لأكثر من بيتين أو قصيدتين ليتم الحكم على جودة نصه. في المقابل، وصف عافت قارئ الرواية بالصبر والأناة والبطء في ردود أفعاله، نظراً لأن السرد يتطلب وقتاً أطول للقراءة والتأمل ومتابعة تطور الأحداث والشخصيات عبر مئات الصفحات.
رؤى نقدية متباينة حول جدلية التلقي
انقسمت آراء المثقفين تجاه هذا الطرح بين مؤيد ومتحفظ ومعارض. حيث يرى الناقد الدكتور حسن النعمي أن القارئ يمثل الضلع الثالث في العملية الإبداعية، مشيراً إلى أن النص يحمل شفرات لا تكشف عن نفسها إلا لقارئها الخاص الذي يساهم في إنتاج المعنى بناءً على وعيه وثقافته، بغض النظر عما إذا كان النص شعراً أم سرداً.
من جانبه، أكد الشاعر عبد الرحمن موكلي صعوبة وضع حدود صارمة تفصل بين القراء، متسائلاً عما إذا كان الشعر يمثل بعداً فوقياً نخبوياً في الثقافة العربية يجعله يبدو عنصرياً تجاه الفنون الأخرى كالرواية التي تمثل كافة فئات المجتمع. وفي سياق متصل، أوضح أستاذ الأدب الدكتور أحمد التيهاني أن أثر النص يتفاوت؛ فالقصيدة تلامس وجدان القارئ نفسياً وذوقياً بشكل مباشر، بينما تقدم الرواية متعة معرفية وسردية تلطف التاريخ وتغري بتتبع الزمان والمكان.
أما الكاتبة سهام القحطاني، فقد وصفت رأي عافت بأنه “عطور قديمة في آنية جديدة”، متفقة مع تحليله لطبيعة الفنين، حيث اعتبرت الكذب الشعري أصلاً في الطبيعة، بينما كذب الرواية يمثل طبيعة الصنعة. وفي ذات السياق، أشار الشاعر خالد قماش إلى أن الشعر والرواية لا يتنافسان بل يختلفان؛ فالشعر يراهن على تكثيف الصورة وقوة اللغة حيث يمكن لبيت واحد أن يعادل كتاباً كاملاً، بينما تمنح الرواية القارئ فرصة للتماهي مع الشخصيات وعيش التجربة من الداخل.
كما أضاف الشاعر مريع سوادي أن النص الشعري ذو تأثير وجداني مباشر وسريع، في حين أن الرواية رحلة صامتة وبطيئة التأثير بحكم سيرورة القص وتصاعد الأحداث. واختتم الكاتب يوسف أحمد الحسن النقاش بالإشارة إلى صعوبة التصنيف الصارم للقراء، مؤكداً أن الكثيرين يجمعون بين قراءة الجنسين الأدبيين، معتبراً أن قارئ الرواية يتسلح بالصبر لتفادي الملل، بينما يجد قارئ الشعر متعة سريعة ومكثفة في اللغة الموزونة والإيقاع الجميل.
الأهمية الثقافية والتأثير المتوقع للسجال
لا يقتصر تأثير هذا السجال الأدبي على منصات التواصل الاجتماعي فحسب، بل يمتد ليكون له صدى واسع على المستويين المحلي والإقليمي. إن إعادة طرح هذه التساؤلات تسهم بشكل فعال في تنشيط الحركة النقدية العربية، وتدفع المؤسسات الثقافية والجامعات إلى إعادة دراسة سيكولوجية القراءة وتفضيلات الجمهور المعاصر. كما يتوقع أن يسهم هذا النقاش في تحفيز الكتاب والشعراء على تطوير أدواتهم الإبداعية بما يتناسب مع تطلعات القارئ الحديث الذي بات يتنقل بمرونة بين عوالم التكثيف الشعري وفضاءات السرد الروائي الممتدة.


