في خطوة استراتيجية تعكس توجه المملكة العربية السعودية نحو تعزيز الكفاءات التكنوقراطية في المناصب القيادية، صدر الأمر الملكي الكريم بتعيين فهد بن عبدالجليل آل سيف وزيراً للاستثمار. هذا التعيين لا يمثل مجرد تغيير إداري، بل هو رسالة واضحة بأن المرحلة المقبلة من رؤية 2030 تتطلب خبرات مالية دولية متعمقة وقدرة فائقة على التعامل مع لغة الأرقام والأسواق العالمية، بهدف ترسيخ مكانة المملكة كقوة استثمارية رائدة.
السياق العام: رؤية 2030 ومحورية الاستثمار
يأتي هذا التعيين في وقت حاسم تمر به المملكة، حيث تسير بخطى متسارعة لتنفيذ مستهدفات رؤية 2030، التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط. وتُعد وزارة الاستثمار، التي كانت تُعرف سابقاً بالهيئة العامة للاستثمار (SAGIA)، حجر الزاوية في هذه الرؤية، إذ يقع على عاتقها مهمة جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة (FDI) وتنمية الاستثمارات المحلية، وخلق بيئة أعمال جاذبة ومنافسة عالمياً. إن اختيار شخصية بخبرة آل سيف المالية يُظهر إدراك القيادة بأن تحقيق هذه الأهداف يتطلب فهماً عميقاً لآليات التمويل العالمية وبناء جسور من الثقة مع كبرى المؤسسات المالية الدولية.
مسيرة مهنية صقلتها الخبرة المالية
لم يكن صعود آل سيف إلى هذا المنصب وليد الصدفة، بل هو تتويج لمسيرة مهنية غنية بدأت من القطاع المصرفي الخاص. فبعد حصوله على درجة البكالوريوس في نظم المعلومات من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، انطلق في مسيرته من بنك “ساب”، حيث تدرج في المناصب وتخصص في إدارة الخزينة والأسواق المالية. هذه الخبرة المبكرة منحته أساساً متيناً في فهم ديناميكيات الأسواق وتقلباتها، وهي المهارة التي أثبتت فعاليتها لاحقاً في مناصبه الحكومية الحساسة.
اكتسب آل سيف لقب “مهندس هيكلة الدَّين” عن جدارة، فخلال عمله كرئيس تنفيذي للمركز الوطني لإدارة الدين ومستشار لوزير المالية، أدار ببراعة ملف الدين العام للمملكة. قاد بنجاح عمليات طرح الصكوك والسندات الدولية، مما ساهم في تنويع مصادر تمويل الميزانية بكفاءة عالية، والحفاظ على تصنيف ائتماني قوي للمملكة في وجه التحديات الاقتصادية العالمية.
من تمويل الدولة إلى تمويل المستقبل
كانت محطته في صندوق الاستثمارات العامة (PIF) فارقة، حيث تولى منصب رئيس الإدارة العامة لتمويل الشركات. وفي هذا الدور، كان آل سيف في قلب المحرك الاستثماري للمملكة، مساهماً في وضع استراتيجيات تمويل المشاريع العملاقة التي تشكل مستقبل السعودية، مثل نيوم، ومشروع البحر الأحمر، والقدية. لقد عمل على إدارة السيولة النقدية للصندوق وضمان استدامة تدفقاتها لتمويل هذه المشاريع التحويلية، مما أكسبه فهماً لا يُقدر بثمن لطبيعة الفرص والتحديات التي تواجه أكبر المشاريع الاستثمارية في العالم.
التأثير المتوقع والملفات على الطاولة
من المتوقع أن يكون لتعيين آل سيف تأثير متعدد الأبعاد. محلياً، سيساهم في تسريع وتيرة جذب الاستثمارات النوعية التي تخلق وظائف وتدعم القطاع الخاص. إقليمياً، سيعزز من مكانة الرياض كعاصمة مالية واستثمارية في الشرق الأوسط. دولياً، فإن خبرته وسمعته في الأسواق المالية العالمية ستكونان عامل طمأنة للمستثمرين الدوليين. على طاولته الآن ملفات رئيسية، أبرزها تحقيق المستهدف الطموح لزيادة الاستثمار الأجنبي المباشر، ومواصلة تطوير البيئة التشريعية لتسهيل ممارسة الأعمال، والأهم من ذلك، تحقيق تكامل وتناغم تام بين استراتيجيات وزارة الاستثمار ومشاريع صندوق الاستثمارات العامة، لضمان أن تصب جميع الجهود في تحقيق رؤية المملكة 2030.


