spot_img

ذات صلة

الشفافية والعدالة في الفعاليات الثقافية: دعوات لإنهاء المحسوبية

تتجدد باستمرار ردود أفعال المثقفين والمتابعين للمشهد الثقافي حول غياب العدالة والشفافية في عملية اختيار المشاركين في الفعاليات والمناسبات الثقافية والأدبية، سواء داخل الوطن أو خارجه. هذه الظاهرة، التي تتسم بتكرار أسماء معينة في معظم الدعوات، تثير تساؤلات حول المعايير المتبعة وتفتح الباب أمام اتهامات بالمحسوبية وتصفية الحسابات الشخصية من قبل الجهات المسؤولة عن الاختيار، مما يؤثر سلباً على حيوية المشهد الثقافي وتنوعه.

يؤكد الشاعر أحمد آل مجثل أن آلية اختيار المشاركين ليست محكومة بإطار واضح أو معلن، بل تبدو الدعوات محصورة ضمن دائرة ضيقة من “الشلة” أو “الصحبة” التي تتداول أسماءها في أدراج موجهة. ويشير آل مجثل إلى أن هذا التكرار يصبح مكشوفاً للعامة والمتابعين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة عند ملاحظة مشاركة ثلاثة أو أربعة أسماء في عدد كبير من الفعاليات، كما حدث في 13 فعالية ضمن برنامج معرض الرياض للكتاب. يدعو آل مجثل إلى توسيع دائرة المشاركة لتشمل أسماء جديدة ومتنوعة، مؤكداً على حق المتلقي والمثقف في معرفة آلية الاختيار لضمان الشفافية والعدالة. ويقترح نشر جداول تحدد وتجدد الأسماء وتنوعها جغرافياً وثقافياً، لتجنب التحيزات الشخصية والمحسوبية.

في سياق متصل، يرى الشاعر حسن المتعب أن “الشللية” الثقافية تطورت من مجالس و”قهوات” غير رسمية إلى جمعيات وهيئات رسمية، لا تخرج دعواتها إلا للمقربين بشروط معينة. ويلفت المتعب إلى أن العضوية في هذه المؤسسات لا تضمن للأديب المشاركة، بل إن بعضها يشترط العضوية للمشاركة في المسابقات. ويتساءل المتعب عما إذا كان على الأديب أن يقدم تنازلات للتقرب من أشخاص معينين، مشيراً إلى أن هذا الوضع أدى إلى ملل المتلقي من تكرار الأسماء الشعرية والروائية.

من جانبه، يدعو الكاتب البيبليوغرافي خالد اليوسف إلى الاستعانة بقاعدته البيانات الخاصة بالأدباء في المملكة لتزويد الجهات المعنية بـ “داتا” شاملة وموثوقة عن الأدباء، مما يساهم في توسيع قاعدة الاختيار وتجنب التكرار.

ويذهب الروائي جابر مدخلي إلى أن الأدباء السعوديين هم أصل في الحركة الثقافية العربية المحافظة فكرياً، وأن تأثيرهم يتجاوز المستوى الإقليمي. ويطالب بالتعامل مع قوائم الأدباء على أنهم الخيار العادل والأبرز على الساحة العربية، باستثناء من يثبت سوؤه أو انتماؤه لجهات خفية لا يمكن إثباتها أو محاسبتها. ويشدد مدخلي على أن حق المشاركة الثقافية يتوافق مع مستهدفات الدولة ومؤسساتها للحفاظ على الأمن الثقافي بسياسات حمائية، في مقدمتها تقوية الانتماء الدائم. ويلفت إلى أن إظهار جميع المثقفين وإبراز تجاربهم خطوة يجب أن تخدمها وتسهلها جميع الجهات ذات الصلة، الأمنية والرقابية والثقافية، خاصة في ظل ارتفاع منسوب الوعي لدى المتلقي، مما يلغي التأثير والخطر القديم الذي كان محصوراً على أسماء بعينها، وشوه المشهد الثقافي وأضر به.

ويطالب مدخلي بتوسيع الفرص للجميع، مؤكداً أن الإدارة الثقافية ستظهر آثارها، وأن الأهم ألا يكون القرار ذاتياً أو فردياً، إذ إن أسماء عديدة ربما وقعت في محاذير دون أن تعي أو توجه أو يشار إليها بما وقعت فيه. ويرى أن تكرار الشخصيات ذاتها في المحافل والبرامج الثقافية يأتي بطيئاً للبرامج ذاتها، وانجراراً نحو تسويق الشخصية بدلاً من تسويق ثقافة المشهد السعودي المتطور في شتى صنوف الأدب والمعارف. ويضيف أنه وإن كان التكرار ليس عيباً ولا جريمة، إلا أنه يخلق جواً من الكآبة والرتابة، فالمتلقي ينتظر باستمرار التعرف على أسماء ووجوه جديدة، ورؤى متصالحة مع حاضر الأجيال وأفكارهم ومستقبلهم الحافل، وألا ينقصهم هوى ويضعهم أمام الفرص، ويمنحهم المساحات التي تمكن المشاهدين من رؤيتهم من خلالها.

ويؤكد الشاعر حسين الزيداني أنه ليس غريباً أن يتجدد هذا التساؤل الملّح بين الأدباء والمثقفين، في ظل ما يشهده الواقع الذي لا يمكن تفسيره بغير الاستبعاد أو الإقصاء لأسماء عُرفت من خلال أثرها الثقافي، ولا يمكن تجاهل نتاجها الأدبي والإبداعي. ويوضح أن غالبية الدعوات للمؤتمرات والفعاليات لا تمنح وفق معايير تعتمد الأحقية والكفاءة والعدالة في توزيع الفرص، بل تكون في الأغلب انعكاساً للعلاقات الشخصية ومدى القرب والبعد والرضا والسخط، مما يترك آثاراً موجعة تلقي بظلالها على ضعف المشهد الثقافي، وعدم ازدهاره ومواكبته لتطلعات القائمين عليه. ويطالب بالتعامل مع المثقفين والمثقفات عبر معايير واضحة تضمن الشفافية وتكافؤ الفرص، خصوصاً في هذه المرحلة المفصلية في مشهدنا الثقافي.

السياق العام والخلفية التاريخية:

لطالما كانت الفعاليات الثقافية في المملكة العربية السعودية والمنطقة العربية عموماً، محركاً أساسياً للحراك الفكري والإبداعي. فمنذ عقود، بدأت المجالس الأدبية والمنتديات الثقافية غير الرسمية في التبلور، لتتحول تدريجياً إلى مؤسسات أكثر تنظيماً مثل الأندية الأدبية والجمعيات الثقافية، وصولاً إلى الدور المتنامي لوزارة الثقافة والهيئات التابعة لها في تنظيم ورعاية الفعاليات الكبرى. هذا التطور، وإن كان قد ساهم في احتضان المواهب وتوفير منصات لها، إلا أنه أفرز تحديات تتعلق بآليات الاختيار، حيث أصبحت الحاجة ملحة لوضع أطر واضحة تضمن العدالة والشمولية. إن المشهد الثقافي السعودي، الذي يشهد حالياً نقلة نوعية ضمن رؤية 2030، يتطلب أن تكون جميع مكوناته، بما فيها اختيار المشاركين، على قدر عالٍ من المهنية والشفافية ليعكس التطلعات الوطنية في بناء مجتمع حيوي ومزدهر ثقافياً.

أهمية الحدث وتأثيره المتوقع:

إن غياب العدالة في اختيار المشاركين بالفعاليات الثقافية له تداعيات خطيرة على عدة مستويات. محلياً، يؤدي إلى إحباط الطاقات الإبداعية الشابة والمواهب الواعدة، ويحد من ظهور أصوات جديدة يمكن أن تثري المشهد الثقافي. كما أنه يقلل من ثقة الجمهور في المؤسسات الثقافية ويشوه صورتها، مما يؤثر على تفاعلهم مع الفعاليات. إقليمياً ودولياً، يمكن أن يعطي انطباعاً بأن المشهد الثقافي يفتقر إلى التنوع والعمق، مما يتعارض مع جهود المملكة في تعزيز قوتها الناعمة وإبراز مكانتها الثقافية على الساحة العالمية. على النقيض، فإن تبني معايير شفافة وعادلة سيعزز من حيوية المشهد الثقافي، ويشجع على التنافس الإيجابي، ويضمن تمثيل جميع الأطياف الفكرية والإبداعية، مما يسهم في إثراء الحوار الثقافي وتقديم صورة مشرقة عن الثقافة السعودية المتجددة.

رئيس جمعية الأدباء المهنية: لسنا وحدنا المخولين بالترشيح.. والمساحات فاصلة

أوضح رئيس جمعية الأدباء المهنية الدكتور حسن النعمي أن في الجمعية لجنة دائمة -حسب المسمى النظامي- (لجنة الترشيحات) ولها أنظمتها وقوانينها من حيث التشكيل وآلية العمل، وهذه اللجنة تمارس مهماتها والأدوار المناطة إليها على أكمل وجه. وعن الترشيحات، أكد النعمي أنها تعتمد على طبيعة المشروع، والجهة المالكة للمشروع، وهل هذه الجهة لجأت للجمعية باعتبارها جهة استشارية للمشروع أم لا. وأضاف: إن كانت الجمعية هي الجهة الاستشارية لهذا المشروع، فهناك آلية عمل مطبقة لدينا في الجمعية بحيث ترشح اللجنة الأسماء -حسب المجالات والتخصصات- ويرفع بالتوصيات إلى الجهة المالكة للمشروع، وهنا يتوقف دورنا سواء تم الأخذ بترشيحاتنا أم لا. وعن المشاريع التي تملكها الجمعية وتحتاج إلى ترشيحات، أكد أنه يتم -أيضاً- اللجوء لهذه اللجنة، وترشح من تراه مناسباً للمهمة من أعضاء الجمعية أياً كان نوع العضوية التي يمتلكها العضو، دون إهمال -بطبيعة الحال- لطبيعة المشروع وللمجالات الإبداعية للعضو المرشح، ليأتي دور المساحات النظامية وما يرافقها من موافقات وإجراءات نظامية.

وبخصوص تكرار الأسماء، قال: لسنا الجهة الوحيدة التي تقوم بالترشيح، فهناك جهات عدة تمتلك مشاريع، وترشح لمشاريعها من تراه مناسباً لخدمة مشروعها. ولفت إلى أنه فيما يتعلق بقواعد البيانات، فإن جمعية الأدباء المهنية عملت جنباً إلى جنب مع وزارة الثقافة في المشروع التأسيسي مشروع “حصر وتصنيف وتقييم المهنيين في القطاع الأدبي”، وعملت الجمعية -وما زالت تعمل- على عكس مخرجات المشروع على القطاع ومهنيي القطاع.

spot_imgspot_img