spot_img

ذات صلة

فيصل أكرم: فلسفة الغياب، الشعر الأصيل والنقد الأدبي

يُعد الشاعر فيصل أكرم، بصوته الفريد وفلسفته العميقة، ظاهرة لافتة في المشهد الشعري العربي المعاصر. فهو ليس مجرد كاتب، بل فنان يرى في نصه امتدادًا لذاته، وفي غيابه المتعمد عن الأضواء اختيارًا واعيًا للحفاظ على نقاء تجربته. في زمن تتسارع فيه وتيرة الظهور الإعلامي، يختار أكرم الانفراد بشخصه، والتماهي مع اللغة حدّ تعذّر التفريق بينه وبين قصيدته، ليطبع بصمةً خالدة في جدار الجمال الممتد.

لطالما كان الشعر العربي، عبر تاريخه الطويل، مرآة تعكس تحولات المجتمع وتطلعاته. ومنذ العصور الجاهلية وحتى يومنا هذا، لعب الشعراء دورًا محوريًا في تشكيل الوعي الجمعي وصياغة الهوية الثقافية. وفي خضم هذا الإرث العظيم، يبرز شعراء مثل فيصل أكرم، الذين يفضلون العمق على الانتشار، والجودة على الكم، ليقدموا تجربة شعرية تتجاوز المألوف وتتحدى السائد. إن فلسفة الغياب التي يتبناها أكرم ليست هروبًا، بل هي شكل من أشكال المقاومة الثقافية، سعيًا للحفاظ على جوهر الإبداع بعيدًا عن ضجيج الشهرة ومتطلبات السوق.

يؤكد فيصل أكرم، بصدق لا يخالطه شك، أن غيابه عن المهرجانات والأمسيات الأدبية منذ مطلع التسعينيات هو غياب متعمد، نابع من قناعات شخصية ومزاجية خاصة. يكشف عن مفارقة غريبة، حيث فوجئ بتحضير اسمه ضمن قوائم المشاركين في فعاليات لم يحضرها قط، مما يعكس تحديًا كبيرًا يواجهه الفنانون في عصر المعلومات، حيث قد تُشوه الحقائق أو تُزيف لأغراض مختلفة. يرى أكرم أن الغياب الناصع أحب إليه وأكرم له من الحضور المشوه أو المزيف، معتبرًا أن كل حضور أو غياب خارج فعل الكتابة نفسه هو مجرد هوامش لا تزيد المتن ولا تنقصه عند العارفين به. لقد كانت الكتابة بالنسبة له كأنفاسه، لا شيء يوقفها إلا الموت، ولم يكن ممن يكتبون ويضعون على الرف، بل كان يرسل للنشر فورًا، حتى جاء وباء كورونا وما فرضه من عزلة، ليجد في الغياب قرارًا لازمًا للحفاظ على نعمة التنفس، بعد أن أُنهكت طاقته الفكرية وأتم كل ما آمن بضرورة كتابته.

تأثير هذا الموقف يتجاوز شخص الشاعر ليلامس قضايا أوسع في الساحة الثقافية. ففي عالم يزداد فيه الاعتماد على الظهور الرقمي والإعلامي، يمثل أكرم نموذجًا للفنان الذي يضع القيمة الفنية فوق كل اعتبار. إن إقامته في مصر بعد ربع قرن بين الرياض وبيروت، وتوفر قصائده ومقالاته لمن اعتنى بها، يؤكد على أن الإبداع الحقيقي يجد طريقه إلى جمهوره دون الحاجة إلى الترويج الصاخب. كما أن تضحياته الشخصية، كالتخلي عن الوظيفة الحكومية بعد أن استغلها كـ «أمين مستودع» لصياغة قصائده، تعكس تفانيًا مطلقًا في سبيل الفن، حيث يرى أن الوظيفة كانت مجرد وسيلة للوقوف على قدميه والتفرغ للكتابة، مؤمنًا بأن الشجرة تُزرع أولاً ثم تُجنى ثمارها.

يُظهر أكرم اعتزازًا كبيرًا بتجربته الشعرية التي حافظت على صوته الخاص بعيدًا عن التأثير والتأثر، معتبرًا أن خصوصية تجربته هي من حافظت على كيانه كاملاً. وفي مجموعته الأحدث «عن الخمسين التي لم يعشها نوح»، يفتح حوارية مع الموت، ليس بمعنى اليأس، بل كتوثيق وتكريم للأصدقاء الراحلين، مؤكدًا على أن المنجز الكبير الذي حققه في حياته، رغم قصرها زمنيًا، كان متخمًا وجوديًا، مدفوعًا بإحساس مبكر بقرب الرحيل. موقفه من النقاد الأدبيين لافت، حيث يرى أنهم لن يتعبوا أنفسهم في دراسة قصيدة لو ألغت الجامعات دراسة الشعر، مفضلاً كتابة الشعراء عن الشعراء، ومؤمنًا بأنهم صناع اللغة والأدب. هذا الطرح يفتح نقاشًا حول دور المؤسسات الأكاديمية في الحفاظ على الشعر وتطوير النقد، في مقابل الدور الأصيل للشعراء أنفسهم في إثراء المشهد الأدبي. إن فيصل أكرم، بفكره المستقل وتجربته الثرية، يقدم نموذجًا للشاعر الذي يعيش الشعر بكل جوارحه، ويصنع من غيابه حضورًا لا يُمحى في ذاكرة الأدب العربي.

spot_imgspot_img