شهدت ملاعب كرة القدم مؤخرًا حادثتين مقلقتين تسلطان الضوء على تصاعد ظاهرة العنف ضد الحكام، إحداهما في تركيا والأخرى في إيطاليا، مما يثير تساؤلات جدية حول سلامة المسؤولين عن إدارة المباريات ومستقبل اللعبة. ففي حادثة مروعة، تعرض حكم مساعد لإصابة بالغة في تركيا بعد أن ألقى أحد المشجعين “سكوتر” عليه، بينما كان حكم إيطالي يتلقى تهديدات بالقتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وقعت حادثة رمي السكوتر في تركيا خلال مباراة ضمن دوري الهواة التركي الأول، جمعت فريقي دارينجا جينتشليربيرليجي وهيكيم أوغلو طرابزون. فبعد إلغاء هدف للفريق المضيف بداعي التسلل، وهو قرار أثار غضب الجماهير، قام أحد المشجعين برمي سكوتر باتجاه الحكم المساعد هاكان. أدى هذا الاعتداء إلى إصابة الحكم في رأسه، مما تسبب في فقدانه الوعي للحظات وجرح عميق فوق حاجبه. سارعت قوات الأمن التركية إلى القبض على المشتبه به في موقع الحادث، والذي اعترف بفعلته، وتجري حاليًا تحقيقات موسعة لكشف ملابسات الحادث وتحديد أسباب ضعف الإجراءات الأمنية التي سمحت بوصول جسم غريب مثل السكوتر إلى المدرجات.
في سياق متصل، وفي إيطاليا، طالبت الشرطة الإيطالية الحكم فيديريكو لا بينا، الذي أدار مباراة القمة بين إنتر ميلان ويوفنتوس، بعدم مغادرة منزله على خلفية تلقيه تهديدات بالقتل عبر مواقع التواصل الاجتماعي. جاءت هذه التهديدات عقب الجدل الكبير الذي أثير حول قراراته في المباراة، خاصة بعد طرده لمدافع يوفنتوس الفرنسي بريمر بالبطاقة الصفراء الثانية في الدقيقة 42 بداعي ارتكابه خطأ “وهميًا” على أليساندرو باستوني. أثار هذا القرار غضب إدارة يوفنتوس وجماهيره، واعتبروه مؤثرًا بشكل كبير على نتيجة المباراة التي انتهت بفوز إنتر 3-2. هذه الحادثة الإيطالية، وإن لم تتضمن عنفًا جسديًا مباشرًا في الملعب، إلا أنها تعكس مستوى التوتر والضغط الذي يتعرض له الحكام.
تاريخيًا، لطالما كانت كرة القدم رياضة شغف وحماس، لكن هذا الشغف يتحول أحيانًا إلى سلوكيات عدوانية وغير مقبولة. إن الاعتداءات اللفظية والجسدية على الحكام ليست ظاهرة جديدة، لكن تكرارها وتنوع أشكالها، من التهديدات بالقتل إلى رمي الأشياء الخطرة، يشير إلى تدهور خطير في ثقافة التشجيع. الحكام هم العمود الفقري لأي منافسة رياضية، وضمان سلامتهم واحترام قراراتهم هو أساس الحفاظ على نزاهة اللعبة وروحها الرياضية. هذه الحوادث لا تؤثر فقط على الأفراد المعنيين، بل ترسل رسالة سلبية للمجتمع الرياضي بأسره، وقد تثني الشباب عن الانخراط في مهنة التحكيم.
إن تداعيات هذه الحوادث تتجاوز حدود الملاعب المحلية. فعلى الصعيد المحلي في تركيا، من المتوقع أن تؤدي هذه الواقعة إلى تشديد الإجراءات الأمنية في الملاعب وفرض عقوبات صارمة على المتورطين، وقد تشمل حرمان الجماهير من حضور المباريات. أما على الصعيد الدولي، فإن مثل هذه الأحداث تضع الاتحادات الكروية أمام تحدٍ كبير لضمان بيئة آمنة لجميع المشاركين. الفيفا والاتحادات القارية غالبًا ما تفرض عقوبات على الاتحادات والأندية التي تفشل في السيطرة على جماهيرها، مما قد يؤثر على سمعة كرة القدم في تلك الدول. كما أن تكرار مثل هذه الحوادث يهدد بتشويه صورة اللعبة ككل، ويجعلها أقل جاذبية للمشاهدين والرعاة.
لمواجهة هذه الظاهرة، يتطلب الأمر تضافر جهود الجميع. يجب على الاتحادات الكروية والأندية تطبيق عقوبات رادعة ضد مرتكبي العنف، وتكثيف حملات التوعية بأهمية الروح الرياضية والاحترام المتبادل. كما أن تعزيز الإجراءات الأمنية في الملاعب، والاستفادة من التقنيات الحديثة مثل كاميرات المراقبة وأنظمة تحديد الهوية، أصبح ضرورة ملحة. يجب أن يكون هناك دعم نفسي وقانوني للحكام، وأن يتم التعامل مع أي تهديد أو اعتداء بجدية تامة. إن الحفاظ على كرة القدم كرياضة تجمع الناس على المحبة والتنافس الشريف يتطلب التزامًا جماعيًا بضمان سلامة وكرامة كل من يشارك فيها.


