spot_img

ذات صلة

ما هو مصير اليورانيوم الإيراني المخصب؟ غموض وترجيحات

تمثل قضية اليورانيوم الإيراني المخصب واحدة من أبرز وأعقد الخلافات الجوهرية بين واشنطن وطهران في الوقت الراهن. ولا يزال الغموض الشديد يلف مصير هذا المخزون الاستراتيجي عالي التخصيب الذي تمتلكه إيران، والذي يُقدر بنحو 440 كيلوغراماً. ورغم التقارير التي تفيد بأن إسرائيل والولايات المتحدة قد نفذتا ضربات استهدفت منشآت نووية، إلا أنهما لم تتمكنا حتى الآن من السيطرة على هذا المخزون الثمين، مما يثير تساؤلات مقلقة حول مكانه الفعلي وما إذا كان قد تم إخفاؤه أو نقله.

الجذور التاريخية للاتفاق النووي وتصاعد نسب التخصيب

لفهم التعقيد الحالي، يجب العودة إلى السياق التاريخي للأزمة. في عام 2015، وقعت إيران ومجموعة (5+1) الاتفاق النووي الذي حدد سقف تخصيب اليورانيوم بنسبة لا تتجاوز 3.67%، لضمان سلمية البرنامج. ولكن بعد انسحاب الولايات المتحدة أحادي الجانب من الاتفاق في عام 2018 وإعادة فرض العقوبات، بدأت طهران تدريجياً في التخلي عن التزاماتها. أدى ذلك إلى رفع نسب التخصيب إلى 20%، وهي نسبة حرجة تتيح الانتقال السريع، ثم إلى 60%، وهي خطوة تقنية قصيرة جداً تفصلها عن عتبة 90% اللازمة لإنتاج قنبلة نووية، مما جعل أزمة اليورانيوم الإيراني المخصب تتصدر الأجندة الدولية.

تداعيات الضربات وتراجع قدرات البرنامج النووي

بحسب مراقبين دوليين، فإن البرنامج النووي الإيراني أصيب بانتكاسة خطيرة إثر الضربات الأخيرة. وسيتطلب الأمر الكثير من الوقت والاستثمارات والموارد لإعادة بناء القدرات المفقودة. وقبل الضربات الأمريكية في يونيو الماضي، كانت طهران تمتلك، وفقاً لتقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كميات تتجاوز بكثير الحدود المسموح بها. ومنذ ذلك الحين، ترفض طهران السماح لمفتشي الوكالة الدولية بالوصول إلى المواقع التي تعرضت للدمار، مما دفع المدير العام للوكالة، رافاييل غروسي، إلى توجيه دعوات متكررة لضرورة عودة الخبراء الدوليين لممارسة مهامهم الرقابية.

أين يختبئ اليورانيوم الإيراني المخصب؟ ترجيحات الدفن والنقل

يعتقد خبراء ومختصون في هذا الملف أن جزءاً كبيراً من المخزون لا يزال مخفياً بعناية. وتشير التقديرات إلى أن نحو 220 كيلوغراماً، أي ما يقارب نصف مخزون إيران المعلن من اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60%، قد يكون مخزناً ومحفوظاً في مجمع أنفاق محصن تحت الأرض في موقع أصفهان وسط إيران. أما مصير النصف الآخر فلا يزال غير واضح، حيث يرجح البعض أن يكون مدفوناً تحت الأنقاض في منشأة فوردو الجبلية المحصنة، في حين لم تستبعد مصادر دبلوماسية غربية احتمالية نقل بعض الكميات إلى مواقع سرية أخرى لتجنب استهدافها.

التأثير الإقليمي والدولي لامتلاك طهران قدرات نووية متقدمة

إن بقاء مصير هذا المخزون مجهولاً يحمل تداعيات بالغة الأهمية على المستويين الإقليمي والدولي. فإقليمياً، يثير اقتراب إيران من العتبة النووية مخاوف جيرانها، مما قد يشعل سباق تسلح نووي في منطقة الشرق الأوسط غير المستقرة بطبيعتها. ودولياً، يشكل هذا الغموض تحدياً مباشراً لجهود منع الانتشار النووي، ويضع ضغوطاً هائلة على الإدارة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين لاتخاذ قرارات حاسمة، سواء عبر العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط جديدة، أو الاستعداد لسيناريوهات تصعيد عسكري قد تجر المنطقة بأكملها إلى صراع مفتوح.

السيناريو الروسي: هل يمثل مخرجاً للأزمة؟

في خضم هذا التوتر، برز سيناريو دبلوماسي يتمثل في العرض الروسي لاستلام اليورانيوم. فقد أكدت موسكو استعدادها لاستقبال اليورانيوم الإيراني المخصب على أراضيها كجزء من اتفاق سلام محتمل بين واشنطن وطهران. وأوضح المتحدث باسم الرئاسة الروسية، ديمتري بيسكوف، أن هذا المقترح طُرح من قبل الرئيس فلاديمير بوتين. ورغم أن روسيا وإيران تتعاونان بالفعل في الشؤون النووية المدنية، كما هو الحال في منشأة بوشهر، إلا أن هذا السيناريو يُعد خطاً أحمر بالنسبة للدول الأوروبية، خاصة في ظل استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا، مما يجعل قبول الغرب بتسليم ورقة ضغط نووية لموسكو أمراً بالغ الصعوبة.

spot_imgspot_img