spot_img

ذات صلة

مهرجان الدخن ببارق: دعم المنتج المحلي وتعزيز الزراعة بعسير

شهدت محافظة بارق بمنطقة عسير مؤخراً اختتام فعاليات مهرجان الدخن الثالث، الذي استمر لثلاثة أيام وحقق نجاحاً باهراً، مؤكداً على مكانة هذا المحصول التراثي وأهميته الاقتصادية والغذائية. لم يكن المهرجان مجرد تجمع للمزارعين، بل تحول إلى منصة حيوية لتعزيز المنتج المحلي، ودعم الاستدامة الزراعية، وإبراز الدور المحوري للمنطقة في تحقيق الأمن الغذائي. وقد حظي المهرجان بحضور جماهيري كثيف واهتمام واسع من المهتمين بالشأن الزراعي، مما عكس الوعي المتزايد بأهمية دعم المزارعين والأسر المنتجة.

يأتي تنظيم هذا المهرجان بإشراف مباشر من فرع وزارة البيئة والمياه والزراعة في المنطقة، وبالتعاون مع الجمعية التعاونية الزراعية بالمحافظة، في خطوة تعكس التزام الجهات الرسمية بدعم القطاع الزراعي المحلي. وقد شارك في المهرجان نخبة من المزارعين المحليين الذين عرضوا أجود محاصيلهم، إلى جانب الأسر المنتجة التي قدمت منتجات غذائية وحرفية مستوحاة من تراث المنطقة الغني. وقد تجولت “عكاظ” عن كثب في أركان المهرجان، لتنقل صورة حية عن هذا الحدث الذي يمثل نقطة تحول في مسيرة التنمية الزراعية ببارق.

الدخن: محصول تراثي ذو أهمية استراتيجية

يُعد الدخن (Millet) من أقدم المحاصيل الزراعية التي عرفتها شبه الجزيرة العربية، وله تاريخ طويل في منطقة عسير بشكل خاص. لطالما كان الدخن جزءاً لا يتجزأ من النظام الغذائي للسكان المحليين، نظراً لقدرته الفائقة على التكيف مع الظروف المناخية القاسية وقلة المياه، مما يجعله محصولاً مثالياً للمناطق الجافة وشبه الجافة. في الماضي، كان الدخن يمثل ركيزة أساسية للأمن الغذائي، حيث كان يعتمد عليه السكان بشكل كبير في أوقات الشح والجفاف. إن زراعة الدخن لا تقتصر على قيمته الغذائية العالية فحسب، بل تمتد لتشمل أهميته البيئية، فهو يساهم في الحفاظ على خصوبة التربة ويقلل من الحاجة إلى الموارد المائية الكبيرة، مما يجعله خياراً استراتيجياً في ظل التحديات البيئية الراهنة.

تدشين المهرجان ودعم القيادة

حظي المهرجان باهتمام رفيع المستوى، حيث قام أمير منطقة عسير، الأمير تركي بن طلال، بتدشين فعالياته، متجولاً بين أركان المنتجات المتنوعة من الدخن ومشتقاته. استمع سموه إلى شروحات مفصلة من المزارعين حول طرق الزراعة التقليدية، وآليات الحصاد، والتحديات التي تواجههم، والفرص المتاحة لتطوير هذا القطاع الحيوي. هذه الزيارة لم تكن مجرد تفقد، بل كانت رسالة دعم واضحة للمزارعين، تؤكد على اهتمام القيادة الرشيدة بتنمية الزراعة المحلية وتشجيع المزارعين على الاستمرار في هذا المجال الذي يصب في مصلحة الاقتصاد الوطني والأمن الغذائي. وقد أشار المهندس محمد آل عطيف، مدير عام فرع وزارة البيئة والمياه والزراعة بمنطقة عسير، إلى الجهود الحثيثة التي تبذلها القيادة لخدمة المزارع وتنمية الزراعة، مؤكداً أن الوزارة تشجع كل ما يخدم هذا القطاع.

منتجات متنوعة وجودة عالية

تضمنت أجنحة المهرجان عرضاً لمجموعة واسعة من المحاصيل المحلية التي تم حصادها حديثاً قبل أقل من عشرة أيام، مما يعكس جودة المنتج وحداثته. إلى جانب الدخن بأنواعه المختلفة مثل الزعر، والبيضاء، والدخن العفيطي الذي يُعد من أجود وأغلى الأنواع، شملت المعروضات الذرة والسمسم. وأوضح المشاركون أن هذه المحاصيل تُباع بأسعار تشجيعية، حيث يبلغ سعر “المد” الواحد (الذي يصل وزنه إلى 3.5 كيلوغرامات) خمسين ريالاً، بهدف تحفيز المستهلكين على الإقبال على المنتجات المحلية ودعم المزارعين. كما تم عرض منتجات غذائية مشتقة تعتمد على هذه المحاصيل، مما يبرز التنوع في استخدامات الدخن والذرة والسمسم في المطبخ المحلي.

شهادات من قلب المهرجان

عبّر المزارع عمر علي البارقي، الذي يشارك للمرة الثالثة على التوالي، عن اعتزازه بزيارة أمير المنطقة، مؤكداً أن زراعة الدخن أصبحت خياراً استراتيجياً للمزارعين في بارق، وأن إنتاج هذا العام كان وفيراً بفضل الله. وأضاف أن مثل هذه الفعاليات تعزز الثقة بالمنتج المحلي وترسخ ثقافة الزراعة المستدامة. من جانبه، أشار المزارع سمير علي البارقي إلى أن جميع المحاصيل المعروضة تعتمد على مياه الأمطار، مما يؤكد على استدامتها وعدم استنزافها للموارد المائية الجوفية. كما بيّن أن الدخن غني بالفوائد الغذائية، وأن السمسم يُستخرج منه زيت السليط ذو القيمة العالية، حيث تنتج العصرة الواحدة نحو خمسة عشر لتراً من الزيت من أحد عشر مدّاً من السمسم.

مشاركة الأسر المنتجة ومنتجي العسل

لم يقتصر المهرجان على المزارعين فحسب، بل كان منصة حيوية للأسر المنتجة لعرض إبداعاتها. أوضحت زهرة زهير البارقي أنها شاركت بمنتجات غذائية تقليدية متنوعة مثل العصيدة، والمرق، والجريش، والمرقوق، والمرسة، مؤكدة أن المهرجان فتح لها آفاقاً جديدة لتسويق منتجاتها والوصول إلى شريحة أوسع من المستهلكين. كما شهد المهرجان مشاركة مميزة من منتجي العسل، حيث عرض المزارع أحمد حسن العمري أنواعاً فاخرة من عسل السدر والطلح، بأسعار تنافسية، مشيراً إلى أن المهرجان ساهم بشكل كبير في بيع وتسويق منتجاته، وشجعه على الاستمرار في هذا المجال الحيوي.

تأثير المهرجان على الاقتصاد المحلي والأمن الغذائي

يمثل مهرجان الدخن الثالث في بارق نموذجاً يحتذى به في التكامل بين الجهات الحكومية والمزارعين والأسر المنتجة. لقد أسهم المهرجان بشكل مباشر في دعم الاقتصاد المحلي من خلال توفير منصة للمزارعين لبيع منتجاتهم مباشرة للمستهلكين بأسعار عادلة، مما يقلل من الوسطاء ويزيد من دخل المزارع. كما عزز المهرجان الوعي بأهمية المحاصيل المحلية ودورها في تعزيز الأمن الغذائي للمملكة، بما يتماشى مع أهداف رؤية السعودية 2030 التي تسعى إلى تنويع مصادر الدخل وتحقيق الاكتفاء الذاتي في العديد من المنتجات الزراعية. إن التركيز على المحاصيل التراثية مثل الدخن يساهم في الحفاظ على الموروث الزراعي والثقافي للمنطقة، ويشجع الأجيال الجديدة على الانخراط في الزراعة المستدامة.

إقبال جماهيري وتطلعات مستقبلية

لقد حظي المهرجان بإقبال جماهيري كبير من المواطنين الذين توافدوا للاطلاع على المنتجات وشراء المحاصيل الطازجة، مما يعكس تنامي الوعي بأهمية دعم الإنتاج المحلي. هذا الإقبال يؤكد على نجاح المهرجان في تحقيق أهدافه، ويشجع على استمرارية تنظيم مثل هذه الفعاليات التي لا تقتصر فوائدها على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد لتشمل الجوانب الثقافية والاجتماعية والتنموية. يتطلع المنظمون والمشاركون إلى دورات مستقبلية أكثر تطوراً، تساهم في ترسيخ مكانة بارق وعسير كمركز زراعي واعد، وتعزيز مكانة الدخن وغيره من المحاصيل المحلية كجزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية والاقتصاد المستدام.

spot_imgspot_img