أقر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) حزمة من التعديلات التاريخية والواسعة على لوائح انتقالات اللاعبين، في خطوة غير مسبوقة تهدف إلى إعادة تنظيم العلاقات التعاقدية بين اللاعبين والأندية وتعزيز الشفافية القانونية في سوق الانتقالات الدولية. ومن المقرر أن تدخل قواعد الانتقالات الجديدة في الفيفا حيز التنفيذ اعتباراً من 1 يناير 2027، في حين ستُجرى فترة الانتقالات الصيفية الحالية وفق اللوائح المعمول بها حالياً. وتأتي هذه الخطوة بعد مشاورات ومفاوضات مكثفة استمرت لنحو عامين بمشاركة الاتحادات الوطنية، الدوريات، ونقابات اللاعبين، ومختلف الأطراف المعنية بكرة القدم الاحترافية.
من قضية لاسانا ديارا إلى صياغة المستقبل الكروي
لم تكن هذه التعديلات وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة مراجعة شاملة للوائح عقب النزاع القانوني الشهير الذي نشأ على خلفية قضية اللاعب الفرنسي لاسانا ديارا بعد فسخ عقده مع نادي لوكوموتيف موسكو الروسي عام 2014. هذا النزاع، الذي وصل إلى محكمة العدل الأوروبية، أثار تساؤلات عميقة حول مدى توافق قوانين الفيفا مع حرية حركة العمال داخل الاتحاد الأوروبي. تاريخياً، تعيد هذه القضية إلى الأذهان “قانون بوسمان” الشهير في تسعينيات القرن الماضي، والذي غيّر وجه اللعبة تماماً. وبناءً على هذه التطورات القانونية، تحرك الاتحاد الدولي لتفادي ثغرات قانونية قد تهدد استقرار النظام التعاقدي بأكمله، مما أدى في النهاية إلى ولادة قواعد الانتقالات الجديدة في الفيفا لتكون أكثر تماشياً مع القوانين المدنية والعمالية الدولية.
الشرط الجزائي وحقوق اللاعبين المالية في النظام الجديد
من أبرز معالم النظام الجديد اعتماد بند الشرط الجزائي كعنصر أساسي وإلزامي في عقود اللاعبين، مما يتيح إنهاء العلاقة التعاقدية مقابل مبلغ مالي محدد مسبقاً. ويتعين على الأندية تضمين هذا البند بناءً على معايير واضحة تشمل راتب اللاعب وقيمته السوقية، وهو نموذج يقترب كثيراً من النظام المعمول به في الدوري الإسباني.
بالإضافة إلى ذلك، أقر الفيفا منح اللاعبين حصة مالية تصل إلى 5% من قيمة التعويض المرتبط بصفقات انتقالهم الدولية. هذا الحق سيكون إلزامياً للاعبين الذين تقل رواتبهم السنوية عن 150 ألف يورو، بينما يمكن لأصحاب الرواتب الأعلى التفاوض على نسب مختلفة. وفيما يتعلق بفسخ العقود من طرف واحد، وضعت اللوائح آلية واضحة لحساب التعويضات تستند أساساً إلى القيمة المتبقية من العقد، مع فرض مسؤوليات تضامنية على النادي الجديد إذا وقع اللاعب عقداً جديداً خلال 45 يوماً من فسخ عقده السابق.
تأثيرات ممتدة لحماية المواهب الشابة وتعزيز الحوكمة
تمتد أهمية هذه القرارات لتشمل حماية اللاعبين القُصّر (دون 18 عاماً)، حيث تم تمديد الحد الأقصى لمدد العقود المبرمة معهم وفق ضوابط صارمة ترتبط ببرامج التطوير وشروط الحماية المهنية، مع وضع قيود على عدد هذه العقود التي يمكن لكل نادٍ إبرامها خلال الموسم الواحد.
وعلى المستوى الدولي والإقليمي، يتوقع الخبراء أن تسهم هذه القواعد في تقليص النزاعات القانونية أمام محكمة التحكيم الرياضي (كاس)، وتوفير بيئة استثمارية أكثر أماناً للأندية واللاعبين على حد سواء. ولضمان استدامة هذه الحوكمة، أعلن الفيفا إنشاء منصة دائمة تجمع الاتحاد الدولي للاعبين المحترفين (فيفبرو) ورابطة الدوريات العالمية ورابطة الأندية الأوروبية، إلى جانب تخصيص صندوق دعم بقيمة 20 مليون دولار للفترة بين 2026 و2029 لمساعدة اللاعبين في تحصيل مستحقاتهم المالية المتأخرة، مما يضع اللعبة الشعبية الأولى في مسار احترافي أكثر عدالة واستقراراً.


