
في خطوة تاريخية تعزز العدالة المهنية وتوحيد التصنيفات الوظيفية في المملكة العربية السعودية، صدر حكم قضائي نهائي من محكمة الاستئناف بديوان المظالم يقضي بإلزام الجهة المختصة بتصنيف خريجي الكليات التقنية الحاصلين على درجة البكالوريوس بمسمى «مهندس» بشكل مطلق، دون إضافة أي وصف أو عنصر على المسمى من شأنه إحداث مفاضلة أو تمييز بينهم وبين خريجي كليات الهندسة من الجامعات التقليدية. هذا القرار يمثل نقطة تحول مهمة في مسيرة الاعتراف بالكفاءات الوطنية.
لطالما كان موضوع تصنيف خريجي الهندسة التقنية محل نقاش وجدل في سوق العمل السعودي، حيث يرى البعض ضرورة التفريق بين المسارين الأكاديمي والتقني. إلا أن هذا الحكم القضائي جاء ليحسم هذا الجدل الطويل، مؤكداً على أن التفريق في المسمى الوظيفي أو المهني بين خريجي بكالوريوس الهندسة التقنية وخريجي كليات الهندسة يتعارض بشكل مباشر مع الأوامر السامية المنظمة، وعلى رأسها الأمر الصادر بتاريخ 10/6/1409هـ. هذا الأمر السامي كان قد أقر المساواة في المميزات والحقوق بين الفئتين، مما يؤكد على الرؤية الشاملة للدولة في تقدير جميع المسارات التعليمية التي تخدم التنمية.
وأوضحت المحكمة في حيثيات حكمها أن نظام مزاولة المهن الهندسية الصادر بمرسوم ملكي، والذي ينظم الإطار العام للمهنة، قد أحال مسألة الاعتماد المهني والتصنيف إلى الجهة المختصة. الأهم من ذلك، أن هذا النظام لم يتضمن نصاً يلغي أو يعدل الأوامر السابقة التي أقرت المساواة، مما يوجب نظاماً الجمع بين النصوص وعدم ترجيح أحدها على حساب الآخر. هذا التفسير القانوني يعكس فهماً عميقاً للتسلسل التشريعي ويضمن عدم المساس بالحقوق المكتسبة.
ولم يقتصر استناد الحكم على النصوص القانونية فحسب، بل تعزز بمخاطبات رسمية واجتماعات سابقة عقدت بين الجهات ذات العلاقة، والتي انتهت إلى اعتماد تصنيف خريجي برامج بكالوريوس الهندسة التقنية ضمن فئة «مهندس». هذه المراسلات والاجتماعات تؤكد سلامة الفهم النظامي في التطبيق الأولي، وتُضعف بشكل كبير مبررات العدول عنه لاحقاً، مما يضفي قوة إضافية على قرار المحكمة.
وقد قضت الدائرة بإلغاء الحكم الابتدائي الذي كان قد رفض طلب المدعي، والحكم مجدداً بإلغاء قرار الجهة بالامتناع عن تصنيف المدعي على فئة «مهندس». واعتبرت المحكمة أن أي إضافة توصيفية على المسمى، مثل “مهندس تقني” أو غيرها، تُعد مخالفة صريحة لمبدأ المساواة النظامية الذي كفلته الأوامر السامية، وتخلق تمييزاً غير مبرر.
يُنتظر أن يُسهم هذا الحكم القضائي التاريخي في توحيد مسمى التصنيف المهني لخريجي الهندسة التقنية في المملكة، وإنهاء أحد أبرز الملفات الخلافية التي أثرت على مسارهم المهني في سوق العمل الهندسي. هذا القرار سيعزز العدالة الوظيفية، ويرفع مستوى الاستقرار المهني لخريجي الكليات التقنية، ويفتح لهم آفاقاً أوسع في التطور الوظيفي. كما أنه يدعم رؤية المملكة 2030 في بناء اقتصاد متنوع ومستدام يعتمد على الكفاءات الوطنية المؤهلة، ويؤكد على أهمية التعليم التقني كرافد أساسي لتلبية احتياجات سوق العمل المتغيرة، مما يعكس التزام الدولة بتقدير جميع أشكال التعليم والتدريب التي تسهم في بناء مستقبل مزدهر للمملكة.


