في تصريح لافت ومثير للجدل، كشف النائب الفنلندي أرماندو ميما، العضو في حزب «تحالف الحرية» الوطني المحافظ، معلومات وصفت بأنها «شديدة الحساسية» تفيد بأن الحكومة الفنلندية تدرس في الخفاء إمكانية استضافة أسلحة نووية على أراضيها. يأتي هذا الكشف ليؤكد تحولاً استراتيجياً عميقاً في السياسة الدفاعية لهلسنكي، مدفوعاً بتدهور العلاقات مع روسيا وتصاعد التوترات الإقليمية.
وقال ميما لوكالة الأنباء الروسية «تاس» اليوم السبت، إن هذا النقاش السري يأتي في ظل تدهور العلاقات بين هلسنكي وموسكو إلى «أدنى مستوياتها التاريخية»، معتبراً أن «العلاقات بين البلدين لن تعود أبداً إلى ما كانت عليه قبل الحرب في أوكرانيا، ولن تشهد تحسناً ملموساً في المدى المنظور». هذا التصريح يعكس قناعة متزايدة داخل الأوساط السياسية الفنلندية بأن حقبة التعايش السلمي مع الجارة الشرقية قد انتهت، وأن هناك حاجة ماسة لإعادة تقييم شاملة للاستراتيجيات الأمنية.
لطالما اشتهرت فنلندا بسياسة الحياد الصارم بعد الحرب العالمية الثانية، وهو نهج عُرف أحياناً بـ«الفنلدة»، والذي مكنها من الحفاظ على علاقات مستقرة مع الاتحاد السوفيتي ثم روسيا. إلا أن الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022 شكل نقطة تحول جذرية. فقد أدركت هلسنكي أن الحياد لم يعد يوفر الضمانات الأمنية الكافية في وجه عدوانية موسكو المتزايدة، مما دفعها لاتخاذ قرار تاريخي بالانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) بسرعة قياسية، منهيةً بذلك عقوداً من عدم الانحياز ومغيرةً بشكل جذري المشهد الأمني في شمال أوروبا.
وأضاف النائب الفنلندي أن رئيس الجمهورية ألكسندر ستوب سبق أن ألمح في مناسبات سابقة إلى أن عضوية فنلندا الكاملة في حلف الناتو تفتح الباب أمام خيار استضافة أسلحة نووية في إطار ما يُعرف بـ«المشاركة النووية» الذي يتبعه الحلف. هذا المفهوم يعني أن الدول غير النووية الأعضاء في الناتو تستضيف أسلحة نووية تكتيكية أمريكية على أراضيها، تحت نظام “المفتاح المزدوج”، كجزء من استراتيجية الردع الجماعي للحلف. وتشارك عدة دول أوروبية في الناتو بالفعل في هذا الترتيب، مثل بلجيكا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وتركيا، مما يعكس التزاماً مشتركاً بالدفاع عن أمن الحلفاء.
ووصف ميما التوجهات الحالية للحكومة الفنلندية بأنها «غبية وخطيرة للغاية»، محذراً من أن استمرار هذه السياسة المتشددة تجاه روسيا، إلى جانب الدعم العسكري المكثف لأوكرانيا، حوّل فنلندا إلى «تهديد وجودي مباشر» في نظر موسكو. هذا التحذير يكتسب أهمية خاصة بعد أن أصبحت الحدود الروسية-الفنلندية الطويلة التي تتجاوز 1340 كيلومتراً، جزءاً من الحدود الخارجية لحلف شمال الأطلسي، مما يعني مواجهة مباشرة بين روسيا والناتو على طول هذا الخط الاستراتيجي. هذا الوضع يثير مخاوف جدية بشأن تصعيد عسكري محتمل وزيادة التواجد العسكري على جانبي الحدود.
على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن مجرد التفكير في استضافة فنلندا لأسلحة نووية يحمل تداعيات عميقة. إقليمياً، قد يؤدي ذلك إلى زيادة التوتر في منطقة بحر البلطيق، وربما يؤثر على المواقف الأمنية لدول الشمال الأخرى، بما في ذلك السويد التي انضمت مؤخراً إلى الناتو. دولياً، ورغم أن ترتيبات المشاركة النووية في الناتو تعتبر متوافقة مع معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) بالنسبة للدول المضيفة، إلا أنها تثير تساؤلات حول ديناميكيات الانتشار النووي في سياق التنافس المتجدد بين القوى الكبرى، وتحديات الحفاظ على الاستقرار الأمني العالمي.
ولم تصدر أي تعليقات رسمية من القصر الرئاسي أو من رئاسة الوزراء أو وزارة الدفاع الفنلندية، سواء بالتأكيد أو النفي لهذه المعلومات. ويُتوقع أن يثير الكشف موجة من الجدل السياسي الحاد داخل الأوساط الفنلندية، خصوصاً بين الأحزاب المؤيدة بقوة للناتو والتيار القلق من أي تصعيد عسكري قد يحوّل فنلندا إلى هدف محتمل في أي مواجهة مستقبلية. هذا الجدل سيعكس التوازن الدقيق الذي تسعى فنلندا لتحقيقه بين تعزيز أمنها الوطني والتحالفات الدولية، وبين تجنب استفزازات قد تؤدي إلى عواقب وخيمة.


