أكدت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني، إحدى أبرز المؤسسات العالمية في تقييم الجدارة الائتمانية، أن بيئة العمل في المملكة العربية السعودية تتمتع بتصنيف (bbb+)، وهو الأعلى على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي. يأتي هذا التقييم ليؤكد على المتانة الاقتصادية والتقدم الملحوظ الذي أحرزته المملكة في إطار رؤيتها الطموحة 2030، والتي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتعزيز النمو غير النفطي.
وتُظهر المؤشرات المالية للبنوك السعودية حساسية أقل للانكماش الاقتصادي مقارنةً بمعظم نظيراتها في دول مجلس التعاون الخليجي، مما يعكس قوة ومرونة القطاع المصرفي في المملكة. ويستند هذا التصنيف الإيجابي إلى عدة عوامل محورية، أبرزها استمرار ارتفاع الإنفاق الحكومي على المشاريع التنموية الكبرى، والجهود المتواصلة لتنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد على النفط، والنمو المستدام في القطاعات غير النفطية، بالإضافة إلى التقدم الملموس في تنفيذ المشاريع العملاقة التي تشكل ركيزة أساسية لرؤية 2030.
السياق التاريخي والرؤية الطموحة 2030
إن هذا الإنجاز ليس وليد الصدفة، بل هو تتويج لسنوات من الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية التي بدأت مع إطلاق رؤية المملكة 2030 في عام 2016. تهدف الرؤية إلى تحويل السعودية إلى قوة استثمارية رائدة ومركز لوجستي عالمي، من خلال تطوير قطاعات جديدة مثل السياحة والترفيه والصناعة والتقنية، وتحسين بيئة الأعمال لجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية. وقد شملت هذه الإصلاحات تبسيط الإجراءات الحكومية، وتحديث الأنظمة والقوانين، وتعزيز الشفافية، مما ساهم بشكل كبير في تحسين مؤشرات سهولة ممارسة الأعمال وجعل المملكة وجهة جاذبة للمستثمرين.
تُعد المشاريع العملاقة مثل نيوم، ومشروع البحر الأحمر، والقدية، محركات رئيسية للنمو غير النفطي، حيث تستقطب استثمارات ضخمة وتخلق فرص عمل هائلة، وتساهم في تحفيز القطاع الخاص. هذه المشاريع لا تعزز البنية التحتية فحسب، بل تعمل أيضاً على بناء اقتصاد مستدام ومتنوع قادر على مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية.
نمو قوي ومتانة استثنائية للقطاع المصرفي
شهدت البنوك السعودية نمواً لافتاً، حيث تجاوز متوسط نموها ضعف متوسط نمو دول مجلس التعاون الخليجي منذ بدء الجائحة. وتتوقع وكالة فيتش أن يظل النمو السنوي للقطاع المصرفي قوياً في عام 2025، ليصل إلى حوالي 13%، قبل أن يتراجع بشكل طبيعي إلى ما بين 10% و11% في عام 2026. هذا التباطؤ المتوقع لا يشير إلى ضعف، بل يعكس التشبع الطبيعي للائتمان بعد سنوات من التوسع السريع، واشتداد المنافسة على التمويل، مما أدى إلى زيادة متوسط تكلفة التمويل في القطاع بمقدار 30 نقطة أساس في الربع الثالث من 2025 مقارنةً بعام 2024.
تُعد السيولة والتمويل من نقاط القوة الأساسية في التصنيف الائتماني للبنوك السعودية، ومن المتوقع أن يستمر هذا الوضع الإيجابي حتى عام 2026. فقد حافظت البنوك على احتياطيات سيولة كبيرة، بالإضافة إلى قدرتها القوية على الوصول إلى مصادر تمويل متنوعة. هذه العوامل تدعم قدرتها على الصمود في ظل تباطؤ النمو المتوقع وفي سوق ودائع أكثر تنافسية، مما يضمن استقرارها المالي وقدرتها على دعم الاقتصاد الوطني.
الأهمية والتأثير المتوقع
إن هذا التصنيف المرتفع من وكالة فيتش يحمل أهمية كبيرة على عدة مستويات. محلياً، يعزز الثقة في الاقتصاد السعودي ويشجع على المزيد من الاستثمار الخاص، مما يؤدي إلى خلق فرص عمل جديدة وتحسين مستوى المعيشة للمواطنين. كما يؤكد على نجاح الإصلاحات الاقتصادية وفعالية السياسات الحكومية في تحقيق أهداف رؤية 2030.
إقليمياً، يعزز مكانة المملكة كقاطرة اقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي، ويقدم نموذجاً يحتذى به في التنويع الاقتصادي والإصلاحات الهيكلية. قد يؤدي هذا إلى جذب المزيد من الاستثمارات الإقليمية والدولية إلى المنطقة ككل، مع اعتبار السعودية مركزاً للاستقرار والنمو.
دولياً، يرسخ التصنيف مكانة السعودية كوجهة استثمارية عالمية موثوقة، ويجذب رؤوس الأموال الأجنبية المباشرة، مما يساهم في دمج الاقتصاد السعودي بشكل أعمق في الاقتصاد العالمي. كما يعزز قدرة المملكة على الاقتراض بشروط أفضل في الأسواق الدولية، ويدعم استقرارها المالي في مواجهة التقلبات الاقتصادية العالمية. هذا التقييم الإيجابي من فيتش ليس مجرد رقم، بل هو شهادة على التقدم الاقتصادي المستمر للمملكة ومرونتها في بناء مستقبل مزدهر.


