spot_img

ذات صلة

فيتش ترفع نظرة تركيا: الأسباب، التوقعات، وتأثيرها الاقتصادي

فيتش ترفع النظرة المستقبلية لتركيا إلى “إيجابية”: تحليل الأسباب والتداعيات الاقتصادية

في خطوة تعكس تحولاً إيجابياً في المشهد الاقتصادي التركي، أعلنت وكالة التصنيف الائتماني العالمية «فيتش» تعديل نظرتها المستقبلية لتركيا من “مستقرة” إلى “إيجابية”، مع الإبقاء على تصنيفها الائتماني عند مستوى «BB-». يأتي هذا التعديل ليؤكد على الثقة المتزايدة في قدرة الاقتصاد التركي على تجاوز التحديات الراهنة، ويشير إلى تحسن في المؤشرات الاقتصادية الكلية التي تتبعها الوكالة.

خلفية التحول الاقتصادي التركي

لطالما واجه الاقتصاد التركي تحديات هيكلية كبيرة على مدى العقد الماضي، تمثلت في ارتفاع معدلات التضخم وتقلبات حادة في سعر صرف الليرة التركية، بالإضافة إلى عجز مزمن في ميزان المعاملات الجارية. هذه التحديات تفاقمت بسبب تبني سياسات نقدية غير تقليدية كانت تميل بشدة نحو التيسير النقدي بهدف تحفيز النمو، لكنها أدت في المقابل إلى تآكل قيمة العملة وارتفاع غير مسبوق في مستويات الأسعار. ومع ذلك، شهدت تركيا تحولاً جذرياً في نهجها الاقتصادي بعد الانتخابات الرئاسية في عام 2023، حيث تم تعيين فريق اقتصادي جديد بقيادة وزير الخزانة والمالية محمد شيمشك ومحافظ البنك المركزي فائق أوزراك (بعد استقالة حافظة غاية أركان)، ملتزماً بالعودة إلى السياسات الاقتصادية الأرثوذكسية.

أسباب تعديل النظرة المستقبلية من فيتش

أوضحت وكالة فيتش أن تعديل النظرة المستقبلية يعكس تراجعاً ملحوظاً في نقاط الضعف الخارجية للاقتصاد التركي. هذا التراجع يعزى بشكل أساسي إلى ارتفاع أسعار صرف العملات الأجنبية بوتيرة أسرع من المتوقع، مما ساهم في تقليل الضغوط على الاحتياطيات الأجنبية وتحسين ميزان المدفوعات. كما أن الالتزام القوي من جانب الحكومة التركية، ممثلة بنائب الرئيس جودت يلماز، بمواصلة سياساتها الاقتصادية القائمة على التشديد النقدي والمالي، كان له دور محوري. تهدف هذه السياسات إلى كبح جماح التضخم المستمر، وقد أشار يلماز إلى إمكانية إدخال تعديلات طفيفة على البرنامج الاقتصادي دون تغيير مساره الأساسي نحو الاستقرار.

جهود مكافحة التضخم وتوقعاته

تعتبر مكافحة التضخم أولوية قصوى للحكومة التركية والبنك المركزي. فبعد فترة طويلة من التضخم المرتفع الذي وصل إلى مستويات قياسية، بدأت السياسات الحالية تؤتي ثمارها ببطء ولكن بثبات. تتوقع الحكومة أن ينخفض التضخم إلى 16% بحلول نهاية العام الحالي، ضمن نطاق يتراوح بين 13% و19%، مع هدف طموح لخفضه إلى 9% بحلول عام 2027. من جانبه، يتوقع البنك المركزي أن يتراوح التضخم بين 13% و19% بنهاية عام 2026. ورغم أن التضخم لا يزال مرتفعاً عند حوالي 31%، إلا أن الاتجاه التنازلي يعطي مؤشرات إيجابية على فعالية الإجراءات المتخذة.

السياسات النقدية والمالية الصارمة

منذ أكثر من عامين، تتبع تركيا سياسات تعتمد على تشديد نقدي ومالي صارم لتقليل ضغوط الأسعار. وقد أدت هذه السياسات إلى ارتفاع تكاليف التمويل والاقتراض، مما ألقى بعبء على كاهل الشركات والأسر على المدى القصير. ومع ذلك، فإن الهدف الأسمى هو تحقيق الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل. فبعد أن شهدت البلاد رفعاً لأسعار الفائدة إلى 50% في مارس 2024، بعد فترة من التخفيضات التي أوصلت المعدل الأساسي إلى 38% في أواخر العام الماضي، يهدف البرنامج الاقتصادي الحالي إلى كبح توقعات ارتفاع التضخم مع تعزيز الإنتاج والصادرات، وذلك لمعالجة العجز المزمن في ميزان المعاملات الجارية الذي كان يمثل نقطة ضعف رئيسية.

الأهمية والتأثير المتوقع

إن تعديل نظرة فيتش المستقبلية لتركيا إلى “إيجابية” يحمل أهمية كبيرة على عدة مستويات. محلياً، يعزز هذا التقييم الثقة في قدرة الحكومة على إدارة الاقتصاد ويخفف من حالة عدم اليقين بين المستثمرين المحليين والجمهور، مما قد يشجع على زيادة الاستثمار والإنفاق. إقليمياً ودولياً، يعتبر هذا التقييم بمثابة إشارة إيجابية قوية للمستثمرين الأجانب، مما قد يؤدي إلى جذب المزيد من التدفقات الرأسمالية الأجنبية المباشرة وغير المباشرة إلى تركيا. فتركيا، بموقعها الجيوسياسي الاستراتيجي واقتصادها الكبير، تلعب دوراً محورياً في المنطقة. تحسن تصنيفها الائتماني يمكن أن يقلل من تكلفة الاقتراض للحكومة والشركات التركية في الأسواق الدولية، مما يفتح آفاقاً جديدة للنمو والتنمية. كما أنه يعكس اعترافاً دولياً بالجهود الإصلاحية الجارية، مما يعزز مكانة تركيا كوجهة استثمارية واعدة في الأسواق الناشئة.

spot_imgspot_img