في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والمخاوف من توسع رقعة الصراع في الشرق الأوسط، عقد عدد من الرؤساء والمسؤولين اللبنانيين السابقين اجتماعاً استثنائياً في منطقة بكفيا. هدف هذا اللقاء الطارئ إلى توجيه رسالة وطنية حازمة تحذر من مغبة توريط لبنان في حروب جديدة لا طاقة للبلاد على تحمل تبعاتها الكارثية. وقد ضم هذا الاجتماع شخصيات سياسية وازنة، من بينهم الرئيسان السابقان أمين الجميل وميشال سليمان، ورؤساء الحكومات السابقون نجيب ميقاتي، فؤاد السنيورة، وتمام سلام.
سياق تاريخي وأزمة غير مسبوقة
يأتي هذا التحذير في سياق تاريخي وسياسي بالغ التعقيد. فلبنان يعيش حالياً أزمة اقتصادية ومالية خانقة صنفها البنك الدولي من بين الأسوأ في العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، تترافق مع فراغ رئاسي وشلل في بعض مؤسسات الدولة. تاريخياً، دفع لبنان أثماناً باهظة نتيجة الصراعات الإقليمية، بدءاً من الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) التي دمرت البنية التحتية ومزقت النسيج الاجتماعي، وصولاً إلى حرب تموز عام 2006. ولذلك، يدرك القادة اللبنانيون أن أي انزلاق جديد نحو الحرب سيعني القضاء على ما تبقى من مقومات صمود الدولة والمجتمع.
مخاطر وجودية ودعوة للتكاتف الوطني
وشدد المجتمعون في بيانهم على أن توريط لبنان في هذه الحرب الدائرة يشكل إقحاماً له في أتون مواجهة مدمرة، مؤكدين أن هذا التصرف لا يمكن القبول به أو الاستمرار فيه، كونه يعرض الوجود الوطني والإجماع اللبناني لخطر حقيقي. ودعوا إلى ضرورة المسارعة والتصدي لهذه المحاولات من خلال موقف وطني لبناني جامع، يبتعد كلياً عن الخطاب التحريضي، لغة التخوين، والاتهامات المتبادلة، والعمل معاً بما يحقق الإنقاذ المنشود للبنان واللبنانيين. وفي سياق متصل، استنكر القادة بشدة تصاعد العدوان الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية، خصوصاً الاستهدافات التي طالت مناطق الجنوب، البقاع، الضاحية الجنوبية لبيروت، والعاصمة ذاتها.
حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم
وأكد القادة أن الأولوية القصوى اليوم يجب أن تنصب على إنقاذ لبنان وحماية تماسكه الوطني وعيشه المشترك، واستعادة دولته الحرة، السيدة، والمستقلة. ولضمان تحقيق هذه السيادة، ركز البيان على حصرية قرار الحرب والسلم وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية. وأعرب المجتمعون عن دعمهم المطلق للجيش اللبناني لتمكينه من بسط سلطته على كامل الأراضي اللبنانية، وتنفيذ قرارات الحكومة، ومواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، مؤكدين على أهمية الالتزام الكامل بأحكام الدستور اللبناني ووثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف).
التداعيات الإقليمية والدولية والدعوة لمؤتمر إنقاذ
أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن لهذا الموقف أهمية بالغة؛ إذ يوجه رسالة للمجتمع الدولي بأن هناك إرادة لبنانية داخلية ترفض الانجرار للحرب وتطالب بتطبيق القرارات الدولية. وفي هذا الإطار، أعرب الرؤساء عن دعمهم لجهود الحكومة في مساعدة النازحين والصامدين، منوهين بزيارة الموفد البابوي ومواقف الفاتيكان الداعمة للسلام. واختتموا لقاءهم بتوجيه نداء عاجل لعقد مؤتمر عربي ودولي مخصص لمساعدة لبنان على الخروج من أزمته المتعددة الأبعاد، وتوفير شبكة أمان دبلوماسية واقتصادية تحمي سيادته وتضمن استقراره في وجه العواصف الإقليمية.


