spot_img

ذات صلة

فرنسا تعرقل شراء أوكرانيا صواريخ Storm Shadow بأموال أوروبية

في خطوة تعكس تعقيدات الدعم الأوروبي لأوكرانيا، كشفت مصادر غربية أن باريس تقف حجر عثرة أمام جهود تهدف إلى تسهيل شراء كييف لصواريخ «ستورم شادو» (Storm Shadow) البريطانية بعيدة المدى. وتتمسك فرنسا بموقفها الذي يشدد على ضرورة توجيه أموال المساعدات الأوروبية المخصصة لأوكرانيا نحو تعزيز الصناعات الدفاعية لدول الاتحاد الأوروبي، بدلاً من إنفاقها خارج حدوده. هذا الموقف يثير تساؤلات حول الأولويات الأوروبية في ظل الحاجة الملحة لأوكرانيا للأسلحة المتطورة.

منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022، قدم الاتحاد الأوروبي وحلفاؤه دعماً غير مسبوق لكييف، شمل مساعدات مالية وعسكرية ضخمة. هذا الدعم جاء في سياق تاريخي طويل من التوترات بين روسيا والغرب، وتصاعد الصراع في أوكرانيا منذ عام 2014. وقد أظهر الاتحاد الأوروبي، الذي لطالما ركز على التكامل الاقتصادي، تحولاً ملحوظاً نحو تعزيز قدراته الدفاعية ودوره الجيوسياسي. ومع ذلك، فإن مسألة كيفية توجيه هذه المساعدات تظل نقطة خلاف داخل التكتل، خاصة فيما يتعلق بمفهوم «الاستقلالية الاستراتيجية» الذي تتبناه فرنسا بقوة. هذا المفهوم، الذي دعا إليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يهدف إلى تقليل اعتماد أوروبا على القوى الخارجية، لا سيما الولايات المتحدة، في مجالات الدفاع والأمن، وتعزيز قدرة أوروبا على العمل بشكل مستقل.

تأتي هذه المعارضة الفرنسية في سياق قرض أوروبي ضخم بقيمة 90 مليار يورو (حوالي 107 مليارات دولار أمريكي) مخصص لأوكرانيا. وقد خُصص ثلثا هذا القرض لشراء الأسلحة، مع وضع قيود صارمة تمنح الأولوية للصناعات الدفاعية داخل الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا نفسها، قبل اللجوء إلى الموردين من خارج التكتل. هذا النظام الهرمي يهدف إلى تحقيق هدفين: دعم أوكرانيا في حربها، وفي الوقت نفسه تحفيز وتطوير القاعدة الصناعية الدفاعية الأوروبية التي تعاني من نقص الاستثمار لعقود.

على الجانب الآخر، تقدر أوكرانيا حاجتها الماسة لمعدات عسكرية بقيمة 24 مليار يورو من خارج الاتحاد الأوروبي لهذا العام وحده. وتشمل هذه الاحتياجات منظومات دفاع جوي حيوية مثل «باتريوت» الأمريكية، وصواريخ اعتراضية، بالإضافة إلى صواريخ بعيدة المدى قد لا تتمكن الدول الأوروبية من توفيرها بالكميات المطلوبة أو بالتقنيات المماثلة. وفي هذا الإطار، اقترح تحالف يضم 11 دولة أوروبية، من بينها دول البلطيق والدول الاسكندنافية وبولندا ورومانيا والتشيك وهولندا، تخفيف القيود المفروضة على استخدام القرض للسماح لأوكرانيا بشراء أسلحة بريطانية، وعلى رأسها صواريخ «ستورم شادو» التي أثبتت فعاليتها في ساحة المعركة. وقد حدد هذا التحالف بريطانيا كخيار محتمل لسد الفجوة الدفاعية الأوكرانية، مقترحاً نظاماً من أربعة مستويات يضع بريطانيا في مرتبة متقدمة على الولايات المتحدة لتلبية احتياجات كييف، نظراً لدورها الفاعل في دعم أوكرانيا.

لكن فرنسا، التي وصفها مصدر دبلوماسي بأنها «المعارض الواضح» لهذه المقترحات، تصر على أن أي أموال أوروبية تُمنح لأوكرانيا يجب أن تُستغل لتعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية للاتحاد الأوروبي. هذا الموقف، وإن كان يتماشى مع رؤية باريس للاستقلالية الاستراتيجية، أثار شكاوى داخلية من أن هذا النهج قد يعيق قدرة أوكرانيا على صد الهجمات الروسية الجوية والبرية بشكل فعال. فبموجب المخطط الحالي، تخضع مشتريات أوكرانيا لتراتبية صارمة: المستوى الأول يشمل الصناعة الدفاعية المحلية الأوكرانية، والمستوى الثاني يشمل المصنعين داخل الاتحاد الأوروبي، والمستوى الثالث يشمل بريطانيا ودولاً مثل كندا، والمستوى الرابع يشمل الولايات المتحدة. ويسعى التحالف المذكور إلى تخفيف الإجراءات البيروقراطية للوصول إلى المستوى الثالث (بريطانيا) بسهولة أكبر، وهو ما أبدت ثماني دول أخرى، من بينها ألمانيا، دعماً له دون الانضمام رسمياً للتحالف.

إن هذا الخلاف حول أولويات الإنفاق له تداعيات كبيرة على عدة مستويات.

  • بالنسبة لأوكرانيا: يعني التأخير في الحصول على الأسلحة الحيوية، مثل صواريخ «ستورم شادو» التي توفر قدرات ضرب دقيقة وبعيدة المدى، استمراراً لنقاط الضعف في دفاعاتها وقدراتها الهجومية. فالحاجة إلى هذه الصواريخ ليست ترفاً، بل ضرورة عملياتية لمواجهة الترسانة الروسية وحماية المدن والبنية التحتية الحيوية.
  • بالنسبة للاتحاد الأوروبي: يكشف هذا الجدل عن توترات داخلية بين الرغبة في دعم أوكرانيا بأقصى سرعة وفعالية، وبين الطموح طويل الأمد لبناء قدرة دفاعية أوروبية مستقلة. فبينما تسعى فرنسا لتعزيز الصناعة الأوروبية، يرى البعض أن هذا الهدف يجب ألا يأتي على حساب تلبية الاحتياجات العاجلة لكييف، خاصة وأن الصناعة الأوروبية قد لا تكون جاهزة لتلبية جميع المتطلبات في الوقت الراهن. هذا الصراع يعكس تحدياً أوسع يواجه الاتحاد الأوروبي في تحديد هويته الجيوسياسية والدفاعية.
  • على الصعيد الدولي: يؤثر هذا الموقف على العلاقات عبر الأطلسي ودور بريطانيا ما بعد البريكست في الأمن الأوروبي. فمن بين الأسباب التي تجعل بريطانيا خياراً مفضلاً لدى التحالف المؤيد لتخفيف القيود، قيادتها لـ«تحالف الراغبين» الذي يخطط لنشر قوات في أوكرانيا كجزء من أي تسوية سلمية مستقبلية. ومع احتمال وجود جنود بريطانيين إلى جانب نظرائهم الأوروبيين في ظل غياب القوات الأمريكية، يُنظر إلى الاستثمار في السلاح البريطاني فرصةً لتعزيز الأمن المحيط بالمهمة الأوسع. كما أن هذا الخلاف قد يبعث برسالة مختلطة إلى روسيا حول مدى تماسك الجبهة الأوروبية في دعم أوكرانيا.

في الختام، يمثل الجدل الدائر حول تمويل شراء أوكرانيا للأسلحة الأوروبية وغير الأوروبية معضلة معقدة. فبينما تسعى فرنسا لتحقيق رؤيتها للاستقلالية الاستراتيجية وتعزيز الصناعة الدفاعية الأوروبية، تواجه أوكرانيا تحديات وجودية تتطلب استجابة سريعة ومرنة. إن التوفيق بين هذه الأهداف المتعارضة يتطلب دبلوماسية حذرة وتوافقاً أوروبياً يضمن استمرار الدعم الفعال لكييف، مع الحفاظ على الطموحات الأوروبية طويلة الأمد في بناء قدرة دفاعية ذاتية.

spot_imgspot_img