أكد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، خلال زيارته الأخيرة إلى بيروت، أن المنطقة تمر بمرحلة دقيقة وحرجة تتطلب تضافر الجهود الدولية والإقليمية. شدد بارو، من قصر الصنوبر، على أن لبنان يقف اليوم في صلب جهود دولية مكثفة تهدف إلى تنفيذ خطة شاملة لوقف إطلاق النار، وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية الشرعية، بالإضافة إلى إجراء إصلاحات مالية واقتصادية حيوية. هذه الأولويات تفرض استمرار العمل الدبلوماسي والسياسي بحزم، على الرغم من التوترات الإقليمية المتصاعدة التي تلقي بظلالها على المشهد اللبناني.
تأتي تصريحات الوزير الفرنسي في سياق تاريخي معقد يشهده لبنان والمنطقة. فمنذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1990، ظل ملف حصر السلاح بيد الدولة يمثل تحديًا رئيسيًا أمام بناء دولة قوية وموحدة. لطالما كانت وجود جماعات مسلحة خارج إطار الدولة، مثل حزب الله، نقطة خلاف داخلية ومصدر قلق إقليمي ودولي. هذا الوضع يؤثر بشكل مباشر على سيادة الدولة اللبنانية وقدرتها على بسط سلطتها الكاملة على أراضيها، وهو ما يتناقض مع مبادئ القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، وعلى رأسها القرار 1701 الذي يدعو إلى نزع سلاح جميع المجموعات المسلحة في لبنان باستثناء الجيش اللبناني.
أوضح بارو أن هناك ثلاث أولويات أساسية للمرحلة الراهنة، يأتي الأمن في مقدمتها. وأكد تمسك فرنسا باتفاق وقف إطلاق النار وضرورة تطبيقه من قبل جميع الأطراف، إلى جانب انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة. هذه المطالب تعكس التزام فرنسا، كقوة تاريخية ودبلوماسية فاعلة في المنطقة، بدعم استقرار لبنان وسيادته. لطالما لعبت فرنسا دورًا محوريًا في دعم لبنان، سواء عبر المساعدات الاقتصادية أو الجهود الدبلوماسية الرامية إلى حل الأزمات السياسية والأمنية المتلاحقة.
وفي خطوة عملية لدعم هذه الأهداف، أعلن بارو أن باريس ستستضيف في الخامس من مارس مؤتمرًا دوليًا مخصصًا لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. يهدف هذا المؤتمر إلى توفير الدعم اللازم لتمكين هذه المؤسسات من تنفيذ خطة حصر السلاح، والاستعداد لمرحلة ما بعد مغادرة قوات اليونيفيل، أو على الأقل تعزيز دورها وفعاليتها. إن تعزيز قدرات الجيش اللبناني أمر حيوي لاستعادة ثقة اللبنانيين والمجتمع الدولي في قدرة الدولة على حماية مواطنيها وفرض القانون. كما أن استعادة الثقة هذه تعد حجر الزاوية في أي عملية إصلاح اقتصادي أو سياسي ناجحة، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي يمر بها لبنان.
تأتي زيارة بارو إلى بيروت كمحطة ثانية في جولته الإقليمية، قادمًا من العراق، بعد أن بدأها في دمشق، حيث شدد خلالها على أولوية التصدي لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش). هذه الجولة تؤكد على ترابط الملفات الأمنية والسياسية في المنطقة، وأن استقرار لبنان لا يمكن فصله عن الاستقرار الإقليمي الأوسع. من المقرر أن يلتقي الوزير الفرنسي غدًا السبت كبار المسؤولين اللبنانيين، بمن فيهم قائد الجيش العماد جوزيف عون، لمناقشة سبل تعزيز التعاون الثنائي والدولي. هذه اللقاءات تكتسب أهمية خاصة في ظل الضغوط الأمريكية المتزايدة لتسريع نزع سلاح حزب الله، وهو ما يعكس إجماعًا دوليًا متزايدًا على ضرورة تقوية الدولة اللبنانية كضامن وحيد للأمن والاستقرار.
إن حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية ليس مجرد مطلب أمني، بل هو ركيزة أساسية لاستعادة السيادة الوطنية الكاملة وتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي. فغياب الاحتكار الشرعي للقوة من قبل الدولة يؤدي إلى تآكل سلطتها، ويعيق جهود الإصلاح، ويزيد من هشاشة الوضع الأمني. إن دعم المجتمع الدولي، بقيادة دول مثل فرنسا، للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، يعد استثمارًا في مستقبل لبنان كدولة مستقرة ومزدهرة، قادرة على حماية حدودها ومواطنيها، والمساهمة في الأمن الإقليمي والدولي.


