spot_img

ذات صلة

أزمة دبلوماسية بين فرنسا وأمريكا: باريس تعاقب السفير الأمريكي

في خطوة دبلوماسية لافتة تعكس توتراً متصاعداً بين حليفين تاريخيين، أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية عن فرض قيود على السفير الأمريكي في باريس، تشارلز كوشنر، بمنعه من التواصل المباشر مع أعضاء الحكومة الفرنسية. جاء هذا القرار، الذي وصفه مراقبون بأنه إجراء عقابي نادر، بعد تجاهل السفير استدعاءً رسمياً للحضور إلى مقر الوزارة.

جذور الأزمة: مقتل ناشط وتصريحات مثيرة للجدل

بدأت فصول الأزمة الأخيرة عندما استدعت الخارجية الفرنسية السفير كوشنر للاحتجاج على تصريحات صادرة عن إدارة الرئيس دونالد ترامب، قامت السفارة الأمريكية بإعادة نشرها. تمحورت هذه التصريحات حول وفاة المواطن الفرنسي كوينتين دورانك (23 عاماً)، وهو ناشط ينتمي لليمين المتطرف، قضى متأثراً بإصابة في الرأس خلال اشتباك مع عناصر من اليسار المتطرف في مدينة ليون. اعتبرت باريس أن هذه التصريحات تمثل استغلالاً لمأساة إنسانية لأغراض سياسية وتدخلاً في شؤونها الداخلية. إلا أن السفير كوشنر، والد جاريد كوشنر صهر الرئيس ترامب، لم يلبِ الاستدعاء، مرسلاً بدلاً منه مسؤولاً آخر من السفارة، ومتذرعاً بـ”ارتباطات شخصية”، وهو ما اعتبرته باريس إخلالاً بالأعراف الدبلوماسية.

خلفية تاريخية للعلاقات الفرنسية الأمريكية

تُعد العلاقة بين فرنسا والولايات المتحدة من أقدم التحالفات في التاريخ الحديث، حيث تعود جذورها إلى دعم فرنسا للثورة الأمريكية في القرن الثامن عشر. ورغم هذا التحالف الاستراتيجي العريق، شهدت العلاقات فترات من التوتر والخلافات العميقة. من أبرز هذه المحطات معارضة فرنسا الشديدة للغزو الأمريكي للعراق عام 2003، والخلافات التجارية المستمرة حول قضايا مثل الضرائب الرقمية، وصولاً إلى أزمة “أوكوس” الأمنية مؤخراً التي أدت إلى إلغاء صفقة غواصات فرنسية ضخمة مع أستراليا لصالح تحالف جديد مع واشنطن ولندن، مما أثار غضباً فرنسياً عارماً.

تأثير الأزمة وتداعياتها المحتملة

يحمل هذا الإجراء الدبلوماسي الفرنسي دلالات مهمة على عدة مستويات. فعلى الصعيد المحلي، تسعى حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون لتأكيد سيادتها ورفض أي شكل من أشكال التدخل الخارجي، خاصة في القضايا الحساسة المتعلقة بالاستقطاب السياسي الداخلي. أما على المستوى الثنائي، فإن تقييد حركة سفير دولة حليفة يعد رسالة احتجاج قوية قد تؤثر على سلاسة التعاون في ملفات أخرى. إقليمياً، يراقب الشركاء الأوروبيون هذا التطور عن كثب، حيث يسلط الضوء على التحديات المستمرة في إدارة العلاقات مع واشنطن في ظل سياسات غير تقليدية. ورغم حدة الموقف، أبقت الخارجية الفرنسية الباب موارباً للتهدئة، مشيرة في بيانها إلى أن “الصداقة التي عمرها 250 عاماً” تقتضي حل الخلافات عبر الحوار، وأن السفير لا يزال بإمكانه زيارة الوزارة لتسوية الأمور العالقة.

spot_imgspot_img