في تحول دبلوماسي بارز يتردد صداه في أروقة الاتحاد الأوروبي والعواصم الإقليمية، أعلن قصر الإليزيه أن فرنسا باتت تؤيد إدراج الحرس الثوري الإيراني على لائحة المنظمات الإرهابية في الاتحاد الأوروبي. يمثل هذا الموقف الجديد نقطة تحول حاسمة، حيث كانت باريس تُعتبر حتى وقت قريب أحد أبرز العقبات أمام هذه الخطوة التي طالبت بها عدة دول أوروبية ومنظمات حقوقية. هذا الإعلان، الذي جاء أمس الأربعاء، يعكس تقييماً شاملاً ومتجدداً للأنشطة الإقليمية والدولية للحرس الثوري، ويفتح الباب أمام إمكانية تحقيق إجماع أوروبي طال انتظاره.
وفقاً لمصدر مقرب من الرئاسة الفرنسية، نقلته وكالة فرانس برس، فإن دعم فرنسا لتصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية يأتي في سياق تصاعد التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط، وتزايد التقارير حول الدعم الإيراني لروسيا في حرب أوكرانيا، بالإضافة إلى استمرار القمع الوحشي للاحتجاجات الداخلية في إيران التي واجهها الحرس الثوري بقسوة. هذه العوامل مجتمعة دفعت باريس إلى إعادة تقييم سياستها تجاه طهران، مما يعكس قلقاً أوروبياً متزايداً من سلوك إيران على الساحتين الداخلية والخارجية.
يُعد الحرس الثوري الإيراني، الذي تأسس عام 1979 عقب الثورة الإسلامية، ليس مجرد قوة عسكرية تقليدية، بل هو كيان متعدد الأوجه يمثل العمود الفقري للنظام الإيراني. تأسس بهدف حماية مبادئ الثورة الإسلامية من التهديدات الداخلية والخارجية، وتطور ليصبح أقوى أذرع النظام العسكرية والاقتصادية والأمنية. يسيطر الحرس على قطاعات واسعة من الاقتصاد الإيراني عبر شبكة معقدة من الشركات والمؤسسات، مما يمنحه نفوذاً هائلاً يتجاوز المهام العسكرية البحتة. كما يدير فيلق القدس، الذراع الخارجية للحرس، المسؤول عن العمليات العسكرية والاستخباراتية خارج الحدود الإيرانية، ويُتهم من قبل دول غربية وإسرائيل بدعم جماعات مسلحة تصنفها الولايات المتحدة ودول أخرى «إرهابية»، مثل «حزب الله» في لبنان، والجماعات المسلحة في العراق وسوريا واليمن.
لطالما واجه الاتحاد الأوروبي تحديات قانونية وسياسية في تصنيف الحرس الثوري بأكمله كمنظمة إرهابية، على الرغم من فرضه عقوبات فردية على قيادات وعناصر منه. كانت المخاوف تتمحور حول تعقيد الدبلوماسية مع طهران، خاصة فيما يتعلق بالمفاوضات النووية المحتملة (خطّة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA)، وتأثير ذلك على قنوات الاتصال المفتوحة. ومع ذلك، فإن الضغوط داخل أوروبا تصاعدت بشكل ملحوظ في الأشهر الأخيرة، حيث صوّت البرلمان الأوروبي مرات عدة لصالح قرارات غير ملزمة تدعو إلى تصنيف الحرس إرهابياً، وانضمت دول مثل إيطاليا وإسبانيا إلى الداعمين لهذه الخطوة، مما يعكس تحولاً أوسع في المزاج الأوروبي.
يُعد موقف فرنسا الجديد، إلى جانب دعم إسبانيا ودول أخرى، بمثابة إزالة للعقبة الرئيسية أمام اتخاذ قرار جماعي في مجلس الاتحاد الأوروبي. فالتصنيف يتطلب إجماعاً بين الـ27 دولة عضواً، وهو ما كان يبدو بعيد المنال في السابق. هذا الإجماع المحتمل سيمنح الاتحاد الأوروبي أدوات قانونية ومالية أقوى لمواجهة أنشطة الحرس الثوري، بما في ذلك تجميد الأصول وحظر التعاملات المالية، مما قد يفرض ضغوطاً اقتصادية وسياسية إضافية على النظام الإيراني. كما أنه يعزز الموقف الأوروبي الموحد تجاه إيران، ويضع الاتحاد الأوروبي على خطى الولايات المتحدة وكندا وأستراليا، التي صنّفت الحرس الثوري كمنظمة إرهابية أجنبية منذ عام 2019.
تداعيات هذا القرار، في حال إقراره، ستكون واسعة النطاق. على الصعيد الإقليمي، قد يؤدي إلى تشديد الخناق على شبكة نفوذ الحرس الثوري في الشرق الأوسط، ويقلل من قدرته على تمويل وتدريب وكلائه. دول المنطقة التي تتهم إيران بزعزعة استقرارها، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات، قد ترى في ذلك خطوة إيجابية نحو احتواء النفوذ الإيراني. دولياً، قد يؤثر التصنيف على العلاقات الدبلوماسية بين الاتحاد الأوروبي وإيران، وقد يدفع طهران إلى ردود فعل تصعيدية. ومع ذلك، فإن هذه الخطوة تعكس التزاماً أوروبياً متزايداً بمعالجة التهديدات الأمنية التي يمثلها الحرس الثوري، وتؤكد على أهمية التنسيق الدولي لمواجهة التحديات الجيوسياسية الراهنة.


