يشهد المشهد الثقافي العربي، والعالمي على حد سواء، تحولاً جذرياً في آليات تداول المعرفة وتشكيل الوعي. فبعد أن كانت الثقافة حكراً على المؤسسات الأكاديمية، ودور النشر العريقة، والمنابر النقدية الرصينة، التي عملت كحراس للبوابة الفكرية، أصبحت اليوم في مهب رياح التسليع والتسويق التي يجيدها المشاهير على منصات التواصل الاجتماعي. هذا التحول يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل الثقافة، وهويتها، وقدرتها على إحداث التغيير الحقيقي في المجتمعات.
الخلفية التاريخية: من حراس المعرفة إلى فضاءات مفتوحة
تاريخياً، ارتبطت الثقافة بمؤسسات راسخة كانت تضطلع بدور محوري في نشر الأفكار وتقييمها. الجامعات، المجلات الأدبية، المنتديات الفكرية، وحتى الصحف، كانت بمثابة «خوارزميات» العصر القديم، تحدد ما هو جدير بالانتشار وما يستحق الشرعية. هذه المؤسسات لم تكن تكتفي بنشر المحتوى، بل كانت توفر آليات الاعتماد، ومعايير التقييم، ومؤسسات الفرز التي تحمي المعنى من أن يتحول إلى مجرد عرض موسمي. ومع ظهور وسائل الإعلام الجماهيرية كالراديو والتلفزيون، بدأت الثقافة تتسع لتصل إلى شرائح أوسع، لكنها ظلت تحت إشراف مهنيين ونقاد. أما الثورة الرقمية، وبخاصة منصات التواصل الاجتماعي، فقد أحدثت نقلة نوعية، حيث أزالت الحواجز التقليدية، وفتحت الباب أمام كل من يمتلك وسيلة للنشر، مما أدى إلى «دمقرطة» المحتوى، ولكن أيضاً إلى تحديات غير مسبوقة.
الفراغ المؤسسي وسيطرة المشاهير: آراء النقاد
يرى الناقد أسامة بن يحيى الواصلي أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في «ميديا المشاهير» كفضاء جديد، بل في الفراغ المؤسسي الذي تركته الثقافة خلفها، ثم عابت على هذه المنصات أنها ملأته. فالثقافة لا تُهزم لأن المشهور أكثر سطوعاً، بل لأنها فقدت ما كان يحمي المعنى، وحين تضعف هذه البنية، يصبح السؤال ليس عن العمق بل عن سرعة الانتشار، وتغدو المنصة محكمة بلا قاضٍ وسوقاً بلا موازين، ويتحول عدد المتابعين إلى شهادة جودة. ويحذر الواصلي من دخول المثقف فضاء المشاهير، فيظن أنه يسوّق للفكرة، بينما هو يزوّد الخوارزمية بما تريد، مضيفاً وقوداً لآلة تكافئ قابلية الاستهلاك لا مستوى العمق.
من جانبه، يوضح الكاتب مفلح البلوي أنه بينما كانت الإجادة في الثقافة والأدب مفتاحاً للشهرة تاريخياً، فإن ما يدعو إلى الدهشة والقلق اليوم هو انقلاب المعادلة. فالمنابر الثقافية الرسمية والتجارية، التي كانت مؤتمنة على توجيه الرأي الثقافي العام، فقدت بريقها أمام سطوة المنصات الرقمية. وبدلاً من تجديد محتواها، لجأت إلى حل أسهل: التنازل عن معاييرها وفتح أبوابها للمشاهير بغض النظر عن مستواهم الثقافي، مما أدى إلى انحدار ثقافي خطير.
ويؤكد المسرحي أحمد السروي على الدور العظيم لوسائل التواصل الاجتماعي كأداة فاعلة في الوصول والتأثير، لكنه يرى أن الإشكال يكمن في كيفية توظيفها. فبعض أدعياء الشهرة حولوا العمل الثقافي إلى سلعة استهلاكية سهلة وساذجة، تُقاس قيمتها بعدد المتابعين لا بعمق الفكرة أو الأثر الحقيقي. ويكمن الخطر في تسطيح الثقافة وتزييفها، وتجريدها من أسئلتها الكبرى لصالح محتوى سريع باهت وعابر.
ويضيف الشاعر عبدالرحمن سابي أن التسليم بغلبة ثقافة الرمز والصورة دون النظر لمصداقية المشهور وقدراته الثقافية، يغلب الغث على السمين، ويوهم بصورة القشور على أنها اللب والجوهر. ويدعو إلى البحث عن المثقف الجاد وتقديمه، كونه الضامن للممارسة الثقافية الإيجابية.
وتؤكد الناقدة الأكاديمية الدكتورة مريم إبراهيم الغبّان أننا نعيش في زمن التهافت على الشهرة والتقاعس عن المعرفة، حيث صار المشهور «عبقري الزمان» وفيلسوف العصر، وغدت خوارزميات «نظام التفاهة» تروج الشهرة على حساب القيمة والمضمون. وتصف المشهور الذي يسرق لسان المثقف بـ«الببغاء» الذي يقلد كلام الحكماء وهو لا يفقه منه حرفاً، محذرة من أن «حسن المنظر» تقدم على «صحة المَخبر»، وأن نور الحكمة الأصيل انطفأ أمام بريق الشهرة الهزيل، مما يؤدي إلى وعي زائف وجماهير تتبع «طيوراً بلا أجنحة» إلى فضاءات من الجهل والسطحية.
أهمية الحدث وتأثيره: تحديات محلية وعالمية
إن هذا الارتهان لمشاهير التسويق الرقمي يحمل في طياته تداعيات خطيرة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فمحلياً وإقليمياً، يهدد هذا التوجه بتآكل الهوية الثقافية العربية الأصيلة، وتهميش الإبداعات الجادة التي تعكس عمق الحضارة العربية وتنوعها. فبدلاً من تعزيز الانتماء والقيم الأصيلة، قد تساهم هذه الظاهرة في نشر محتوى سطحي لا يترك أثراً إيجابياً، بل قد يساهم في تشويه الذائقة العامة وتسطيح الوعي الجمعي.
وعلى الصعيد العالمي، لا يقتصر هذا التحدي على الثقافة العربية، بل هو ظاهرة عالمية تؤثر على جودة المحتوى الفكري والفني في كل مكان. ففي عصر تتسارع فيه وتيرة المعلومات، وتتضاءل فيه مساحات التأمل النقدي، يصبح المجتمع أكثر عرضة للتضليل وتراجع القدرة على التفكير النقدي. عندما تُقاس القيمة بالتصفيق وعدد المتابعين، تتعلم الثقافة هذه اللغة وتنسى لغة البرهان، مما يؤثر سلباً على التعليم، والبحث العلمي، وحتى المشاركة المدنية.
استعادة سيادة التقييم الثقافي: الطريق إلى المستقبل
لمواجهة هذا التحدي، يدعو النقاد إلى استعادة «سيادة التقييم الثقافي». وهذا يعني أن تستعيد الثقافة حقها في تعريف الجودة عبر منصات نقدية رصينة، وقوائم قراءة معيارية، ومراجعات مُحكَّمة، وأرشفة قابلة للاستحضار، ومشاريع تكافئ التراكم لا الومضة. عندئذٍ، تتحول الشهرة إلى وسيط نقل، لا مصدر شرعية. فالثقافة إن تنازلت عن حقها في تعريف القيمة، عرّفها غيرها، وحينها نكون قد أسقطنا المحكمة التي تُحاكم الشهرة قبل أن تُتوَّج.
إن إنقاذ مستقبل الثقافة من الارتهان لمشاهير «الميديا» يتطلب وعياً نقدياً يستثمر أدوات العصر دون أن يخضع لمنطقها الاستهلاكي. يجب أن تكون وسائل التواصل رافعة للثقافة إذا أُحسن استخدامها، دون أن تصبح المرجعية المهيمنة على الموقف، أو يُختزل الفعل الثقافي في عدد المعجبين، لا في قدرته على إنتاج الوعي وتوسيع مداركه. فالثقافة «صَنعة لبُوس، لا تليق إلا بمن أتعب نفسه في طلبها وأعمل فكره في جنيها»، وعلينا أن نكون أمراء على خوارزميات هواتفنا النقالة، لا أسرى لها، وأن نختار من نتابع بعناية، لأن «المتابعة مشايعة».


