غموض يلف مستقبل مركز القيادة الأمريكي في غزة مع تنحي قادته وإعادة تقييم أوروبية
تتزايد حالة الغموض حول مستقبل مركز القيادة المدنية-العسكرية الأمريكي (CMCC) في غزة، مع إعلان دبلوماسيين عن اعتزام القادة العسكريين والمدنيين الرئيسيين المسؤولين عن المهمة الأمريكية المحورية في القطاع التنحي عن مناصبهم. يأتي هذا التطور في وقت حرج، حيث لم يتم الإعلان بعد عن بدائل لهؤلاء القادة، بالتزامن مع شروع دول أوروبية رئيسية في إعادة تقييم مشاركتها في المبادرة الأمريكية الطموحة التي تهدف إلى رسم ملامح غزة في مرحلة ما بعد الحرب. هذه التطورات تثير تساؤلات جدية حول فعالية المبادرة الأمريكية وقدرتها على تحقيق أهدافها في ظل تعقيدات المشهد الفلسطيني-الإسرائيلي.
تغييرات في القيادة العليا وتحديات متزايدة
وفقًا لوكالة رويترز، من المتوقع أن يتم استبدال أعلى مسؤول عسكري في مركز CMCC، وهو فريق أول برتبة ثلاث نجوم، بقائد عسكري أمريكي أقل رتبة، مما قد يشير إلى تحول في مستوى الأولوية أو طبيعة الدور الأمريكي. في الوقت نفسه، عاد المسؤول المدني الأعلى في المركز، الدبلوماسي المخضرم ستيف فاغن، إلى منصبه الأصلي سفيراً للولايات المتحدة لدى اليمن بعد أن شغل “دوراً انتقالياً” في قيادة CMCC، دون الإعلان عن خلف له. هذه التغييرات في القيادة العليا، دون وجود بدائل واضحة، تخلق فراغًا إداريًا قد يعيق سير العمليات الحيوية للمركز في وقت تشتد فيه الحاجة إلى قيادة مستقرة وفعالة.
خلفية إنشاء المركز وأهدافه الطموحة
كان مركز CMCC قد أُنشئ في أكتوبر الماضي ضمن المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لإنهاء الحرب في غزة، والتي جاءت في سياق تصاعد غير مسبوق للعنف والأزمة الإنسانية في القطاع. تهدف هذه الخطة إلى معالجة جذور الصراع وتوفير مسار نحو الاستقرار. وتتمثل مهمة المركز في الإشراف على وقف إطلاق إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس، وتسهيل إدخال المساعدات الإنسانية التي تشتد الحاجة إليها، والمساهمة في صياغة السياسات الخاصة بالقطاع في مرحلة ما بعد الصراع. هذه الأهداف، وإن كانت نبيلة، واجهت تحديات هائلة على أرض الواقع، نظرًا للتعقيدات السياسية والأمنية التي تميز قطاع غزة، والذي يعاني من حصار طويل الأمد وتدمير واسع النطاق للبنية التحتية.
الغموض يلف الدور المستقبلي لـ CMCC
يأتي التغيير في قيادة المركز وسط حالة متزايدة من الغموض بشأن دوره المستقبلي، بحسب مسؤولين ودبلوماسيين غربيين. ففي ظل انتقال إدارة ترمب إلى تنفيذ المرحلة التالية من خطتها، التي تشمل إنشاء ما يُعرف بـ”مجلس السلام”، يضم شخصيات دولية بارزة للإشراف على سياسات غزة، يبدو أن دور CMCC قد يتضاءل أو يتغير جذريًا. هذا التحول يثير تساؤلات حول مدى التنسيق بين المراحل المختلفة للخطة الأمريكية، وما إذا كان هذا التغيير يعكس إقرارًا بصعوبة تحقيق الأهداف الأولية للمركز في ظل الظروف الراهنة. الفريق أول باتريك فرانك، القائد الأعلى للقوات البرية الأمريكية في الشرق الأوسط، والذي تولى قيادة مركز CMCC في جنوب إسرائيل منذ تأسيسه، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية الشهر الماضي ترقيته إلى منصب نائب قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، ومن المتوقع أن يغادر منصبه خلال الأسبوع المقبل، مما يضيف طبقة أخرى من عدم اليقين.
فشل في تحقيق اختراق ملموس وإعادة تقييم الشركاء
أشار دبلوماسيون إلى أن المركز فشل حتى الآن في تحقيق اختراق ملموس، سواء من حيث زيادة تدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة، حيث يعيش معظم السكان في ظروف كارثية، أو إحداث تغيير سياسي حقيقي في إدارة القطاع. هذا الفشل دفع بعض الشركاء الأمريكيين، وخاصة الدول الأوروبية، إلى إعادة النظر في استمرار مشاركتهم في المبادرة. إن عدم القدرة على إحراز تقدم ملموس في تخفيف المعاناة الإنسانية أو تمهيد الطريق لحل سياسي مستدام يضعف مصداقية الجهود الدولية ويقلل من حماس الشركاء على الاستمرار في دعمها. الأزمة الإنسانية في غزة، والتي تفاقمت بشكل كبير جراء الصراع الأخير، تتطلب استجابة دولية فعالة ومنسقة، وهو ما يبدو أن CMCC لم يتمكن من توفيره بالقدر الكافي.
تداعيات على غزة والجهود الدولية
تأتي هذه التطورات في وقت لا يزال فيه الوضع في غزة هشًا للغاية. فبموجب المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، توقفت العمليات القتالية الكبرى، وتم الإفراج عن رهائن مقابل أسرى، كما انسحبت القوات الإسرائيلية من نحو نصف مساحة قطاع غزة. غير أن الطرفين المتحاربين تبادلا الاتهامات بخرق الاتفاق، إذ قُتل أكثر من 400 فلسطيني وثلاثة جنود إسرائيليين منذ بدء الهدنة، مما يؤكد على الطبيعة الهشة للهدنة. يعيش معظم سكان غزة، البالغ عددهم أكثر من مليوني نسمة، في رقعة ضيقة خارج المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل، ويقيمون في خيام مؤقتة أو مبانٍ متضررة، في ظل نقص حاد في الغذاء والماء والدواء. إن الغموض الذي يحيط بالدور الأمريكي المستقبلي في غزة، وتراجع الدعم الأوروبي، قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية ويعرقل أي جهود مستقبلية لإعادة الإعمار أو تحقيق الاستقرار السياسي في القطاع، مما يترك الملايين من المدنيين في مهب المجهول.


