تشهد الساحة الفلسطينية والإقليمية حراكاً متسارعاً يضع قطاع غزة على مفترق طرق حاسم، حيث تتأرجح التطورات بين سيناريوهات التصعيد العسكري والجهود الدبلوماسية المكثفة. وفي هذا السياق، كشفت مصادر إعلامية إسرائيلية عن مصادقة رئيس أركان جيش الاحتلال، إيال زامير، على خطط عملياتية لاستئناف القتال، بالتزامن مع إعلان حركة حماس عن إحراز تقدم ملموس في مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة التي استضافتها العاصمة المصرية القاهرة، مما يبرز حجم التعقيد الذي يحيط بالمشهد الحالي ومستقبل التهدئة في المنطقة.
طبول الحرب تقرع: خطط إسرائيلية لاستئناف العمليات العسكرية
نقلت صحيفة “هآرتس” العبرية عن مصادر أمنية رفيعة المستوى أن رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير وافق رسمياً على خطط عملياتية قدمها قائد القيادة الجنوبية، اللواء يانيف عاسور، لاستئناف العمليات العسكرية واسعة النطاق في قطاع غزة. ووفقاً للتقارير، فإن عاسور شدد في مناقشات مغلقة على عدم وجود أي جهة دولية قادرة أو راغبة فعلياً في نزع سلاح حركة حماس، مما يفرض على الجيش الإسرائيلي الاستعداد لشن هجوم جديد عاجلاً أم آجلاً.
وتشير التقديرات الاستخباراتية الإسرائيلية إلى أن حركة حماس استغلت أشهر الهدوء النسبي الأخيرة لإعادة بناء قدراتها العسكرية والتنظيمية بشكل كبير، بما في ذلك ترميم شبكات الأنفاق الحيوية وإعادة هيكلة أنظمة القيادة والسيطرة التي تضررت خلال جولات القتال السابقة. ورغم أن القيادة السياسية الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو لم تمنح الضوء الأخضر النهائي بعد لبدء الهجوم، إلا أن نتنياهو طالب بتسريع الاستعدادات اللوجستية والعسكرية على طول الخطوط العازلة.
مسار القاهرة: هل تنقذ مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة القطاع من جولة جديدة؟
على الجانب الآخر، تبذل الأطراف الإقليمية جهوداً حثيثة لمنع انفجار الأوضاع مجدداً. وفي هذا الصدد، أكد المتحدث باسم حركة حماس، حازم قاسم، أن الفصائل الفلسطينية تعاملت بمرونة وإيجابية عالية مع المقترحات التي طرحها الوسطاء في مصر وقطر وتركيا خلال الاجتماعات الأخيرة في القاهرة. وتهدف هذه التحركات إلى تثبيت التهدئة وتطوير آليات مستدامة لتنفيذ بنود الاتفاق المبرم في أكتوبر الماضي.
وقد أفضت مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة إلى مقاربات وصفت بالمقبولة والمشجعة بشأن إدارة المرحلة الانتقالية وإعادة إعمار القطاع. ومع ذلك، يظل ملف الأمن وإدارة السلاح هو العقبة الكأداء التي تهدد بانهيار هذه الجهود الدبلوماسية في أي لحظة، خاصة في ظل التباين الشاسع في مواقف الطرفين حول الجهة التي ستتولى الإشراف على الملف الأمني.
معضلة السلاح وخطة الرئيس الأمريكي ترامب
تاريخياً، شكل ملف سلاح الفصائل الفلسطينية نقطة الخلاف الجوهرية في كافة جولات التفاوض منذ فرض الحصار على قطاع غزة عام 2007. وفي التطورات الأخيرة، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر مطلعة أن الفصائل الفلسطينية المجتمعة في القاهرة وافقت على مبدأ “حصر السلاح” في القطاع ليكون بيد هيئة فلسطينية متفق عليها وطرف وطني مشترك، وهو ما يعتبر تحولاً لافتاً في موقف الفصائل.
إلا أن هذا المقترح يواجه رفضاً متوقعاً من الجانب الإسرائيلي ومنسق الأمم المتحدة لعملية السلام، حيث تصر إسرائيل على التسليم الكامل والغير مشروط لكافة الأسلحة إلى “قوات الاستقرار الدولية” المقترح تشكيلها بموجب الرؤية السياسية التي يتبناها الرئيس الأمريكي ترامب. ويسعى الرئيس الأمريكي ترامب إلى فرض ترتيبات أمنية إقليمية جديدة تضمن نزع السلاح بالكامل كشرط أساسي لأي تسوية سياسية طويلة الأمد في المنطقة.
التأثيرات المتوقعة: أبعاد إقليمية ودولية للصراع
تتجاوز أهمية هذه التطورات الحدود الجغرافية لقطاع غزة لتلقي بظلالها على المشهد الإقليمي والدولي بأكمله. محلياً، يهدد استئناف القتال بكارثة إنسانية غير مسبوقة وتدمير ما تبقى من البنية التحتية المتهالكة، مما يزيد من معاناة ملايين المدنيين. أما إقليمياً، فإن استقرار غزة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بملفات التهدئة في لبنان والتوترات المستمرة مع إيران، حيث تسعى القوى الإقليمية مثل مصر وقطر وتركيا إلى صياغة نظام أمني يمنع انزلاق الشرق الأوسط إلى حرب شاملة.
دولياً، يمثل نجاح أو فشل الجهود الدبلوماسية اختباراً حقيقياً لفاعلية السياسة الخارجية الأمريكية تحت إدارة الرئيس الأمريكي ترامب، ومدى قدرة المجتمع الدولي على فرض حلول مستدامة تضمن الأمن والاستقرار الإقليمي، وحماية ممرات التجارة والطاقة الحيوية في المنطقة.


