يتصدر ملف إعادة إعمار قطاع غزة المدمر أجندة أول اجتماع مرتقب لـ “مجلس السلام” الذي دعت إليه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. من المقرر أن يُعقد هذا الاجتماع الهام في واشنطن يوم 19 فبراير، بهدف حشد الجهود الدولية لدعم عملية إعادة البناء في القطاع الفلسطيني الذي عانى ويلات الصراعات المتكررة. تأتي هذه المبادرة في سياق مساعٍ أوسع لإرساء الاستقرار في المنطقة، وتؤكد على الحاجة الملحة لتدخل دولي فعال لمعالجة الأزمة الإنسانية والتنموية في غزة.
الخلفية التاريخية والأزمة الإنسانية في غزة
لطالما كان قطاع غزة في صلب الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وشهد على مر العقود العديد من جولات التصعيد العسكري التي خلفت دماراً هائلاً وبنية تحتية مدمرة. يعيش أكثر من مليوني فلسطيني في هذا القطاع الساحلي الضيق تحت حصار مشدد منذ سنوات، مما أدى إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية بشكل كبير. فالحروب المتتالية لم تترك مجالاً للتعافي الكامل، حيث تُقدر خسائر البنية التحتية والمساكن بمليارات الدولارات، وتتزايد أعداد النازحين داخلياً، وتتدهور الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والصرف الصحي والرعاية الصحية. في ظل هذه الظروف، أصبحت جهود إعادة الإعمار ليست مجرد ضرورة تنموية، بل هي ركيزة أساسية لتحقيق أي شكل من أشكال الاستقرار البشري والاجتماعي في القطاع.
أهداف “مجلس السلام” ومساعي واشنطن
وفقاً لما نقله موقع “أكسيوس” عن مسؤولين أمريكيين ودبلوماسيين، تسعى إدارة البيت الأبيض من خلال هذا الاجتماع إلى تحقيق هدفين رئيسيين: الأول هو دفع عجلة تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، والثاني هو جمع التمويل اللازم لإعادة إعمار القطاع. وقد أكد مسؤول أمريكي أن هذا الاجتماع سيكون الأول من نوعه لمجلس السلام، وسيعمل كمؤتمر دولي لجمع التبرعات المخصصة لإعادة إعمار غزة. هذه الخطوة تعكس التزاماً أمريكياً بمعالجة تداعيات الصراع، وتوفير منصة دولية لحشد الدعم المالي واللوجستي الضروري.
جدل حول دور المجلس وعلاقته بالأمم المتحدة
أثار إنشاء “مجلس السلام” بعض التساؤلات في الأوساط الدبلوماسية الدولية، حيث يرى البعض، بما في ذلك بعض الدول الغربية الحليفة للولايات المتحدة التي لم تنضم للمجلس، أن ترامب يسعى لإنشاء بديل لمجلس الأمن الدولي. ومع ذلك، فقد أوضح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في وقت سابق أن المجلس أُنشئ بموجب قرار أممي، وأنه “لا يشكل بديلاً عن الأمم المتحدة”. وأكد روبيو أن المهمة الحالية للمجلس تتركز حصراً على إدارة المرحلتين الثانية والثالثة من الخطة الخاصة بقطاع غزة، والتي تشمل جوانب وقف إطلاق النار، والحوكمة، وإعادة الإعمار. يضم المجلس حالياً 27 عضواً ويرأسه الرئيس ترامب، وقد فوضه مجلس الأمن الدولي بالإشراف على تنفيذ وقف إطلاق النار في غزة، والعمل على ملفات الحوكمة وإعادة الإعمار، مما يمنحه شرعية دولية واضحة.
الترتيبات اللوجستية والمشاركون المحتملون
بدأت إدارة ترامب بالفعل في التواصل مع عشرات الدول لدعوة قادتها لحضور الاجتماع ومناقشة الترتيبات اللوجستية اللازمة. ومن المخطط أن يُعقد الاجتماع في “معهد السلام” بواشنطن، وهو المعهد الذي أعاد ترامب تسميته. ورغم أن التفاصيل النهائية للمشاركين لم تُؤكد بعد، إلا أن الإدارة الأمريكية تعمل على التحقق من القادة القادرين على الحضور. وفي سياق متصل، أفاد مسؤولون إسرائيليون بأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من المقرر أن يلتقي ترامب في البيت الأبيض قبل يوم واحد من الاجتماع، أي في 18 فبراير. وقد قبل نتنياهو دعوة ترامب لانضمام إسرائيل إلى المجلس، لكنه لم يوقع بعد على الميثاق، مما يشير إلى استمرار المشاورات حول تفاصيل الدور الإسرائيلي في هذه المبادرة.
ميثاق “مجلس السلام” وتوسيع صلاحياته
كان الرئيس ترامب قد اقترح فكرة إنشاء “مجلس السلام” لأول مرة في سبتمبر الماضي، بالتزامن مع إعلانه عن خطته لإنهاء حرب غزة. وفي وقت لاحق، أوضح أن صلاحيات المجلس ستتوسع لتشمل حل نزاعات أخرى في جميع أنحاء العالم، بالإضافة إلى تركيزه على غزة. وقد وقع ترامب ميثاق المجلس رسمياً في دافوس، على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي، في أواخر يناير الماضي، بحضور عدد من قادة العالم. وأعلن البيت الأبيض حينها تحول المجلس إلى منظمة دولية نشطة، ودخول الميثاق حيز التطبيق. ينص الميثاق على أن الرئيس الأمريكي سيتولى رئاسة المجلس، وأن مهمته الأساسية هي “تعزيز السلام والعمل على حل النزاعات في جميع أنحاء العالم”.
شروط العضوية والتمويل والهيكل التنفيذي
يحدد ميثاق “مجلس السلام” شروط العضوية والتمويل بشكل واضح. فالعضوية الأساسية للمجلس ستكون لمدة ثلاث سنوات. ومع ذلك، ينص الميثاق على أن أي دولة تساهم بمليار دولار لتمويل أنشطة المجلس ستحصل على عضوية دائمة، مما يعكس الأهمية الكبيرة التي توليها المبادرة للتمويل المستدام. كما أعلن البيت الأبيض عن تعيين أعضاء المجلس التنفيذي التأسيسي، وهم وزير الخارجية الأمريكي، والمبعوث الخاص لترامب ستيف ويتكوف، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، وصهر ترامب ومستشاره جاريد كوشنر. يمثل هؤلاء الشخصيات البارزة فريق القيادة الذي سيتولى توجيه أعمال المجلس في مراحله الأولى.
التأثيرات المتوقعة والتحديات المستقبلية
إن مبادرة “مجلس السلام” لإعادة إعمار غزة تحمل في طياتها إمكانات كبيرة للتأثير على المشهد الإقليمي والدولي. على الصعيد المحلي، يمكن أن توفر الموارد اللازمة لإعادة بناء المنازل والبنية التحتية الحيوية، مما يحسن الظروف المعيشية لملايين الفلسطينيين ويخفف من حدة الأزمة الإنسانية. إقليمياً، قد تفتح المبادرة قنوات جديدة للتعاون بين الدول المعنية، وتساهم في بناء الثقة، أو على الأقل، في إدارة تداعيات الصراع بشكل أكثر فعالية. دولياً، تمثل هذه المبادرة اختباراً لقدرة الولايات المتحدة على قيادة جهود السلام والتنمية خارج الأطر التقليدية، وتثير تساؤلات حول مدى قبول المجتمع الدولي لهذا النهج الجديد. التحديات كبيرة، بدءاً من تأمين التمويل الضخم المطلوب، مروراً بالتنسيق بين الأطراف المتعددة، وصولاً إلى ضمان استدامة السلام في منطقة تتسم بالتقلبات المستمرة. يبقى أن نرى كيف ستتطور هذه المبادرة وما إذا كانت ستنجح في تحقيق أهدافها الطموحة في غزة وخارجها.


