spot_img

ذات صلة

غزة والتصعيد الإقليمي: تداعيات التهميش وأخطاء الفصائل

غزة والتصعيد الإقليمي

مقدمة: غزة في مهب التصعيد الإقليمي

تعيش منطقة الشرق الأوسط حالة من الغليان غير المسبوق، حيث تتصاعد وتيرة الأحداث والتوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى. وفي خضم هذا التصعيد الإقليمي الخطير، يبدو أن القضية الفلسطينية، وتحديداً مأساة قطاع غزة، قد تراجعت في سلم الأولويات الدولية. لقد اختفت أو كادت المساعي الدبلوماسية الرامية لتحقيق السلام ووقف إطلاق النار، بما في ذلك المبادرات الأمريكية وقرارات مجلس الأمن الدولي، لتُترك غزة وحيدة تواجه مصيرها، غائبة عن الحراك السياسي الفاعل الذي انشغل بملفات إقليمية أخرى.

السياق التاريخي: معاناة مستمرة وحروب متكررة

تاريخياً، عانى قطاع غزة على مدار عقود من حصار خانق وحروب متتالية أثقلت كاهل سكانه. ومنذ تفجر الصراع الأخير، تعرض القطاع لدمار هائل طال البنية التحتية والمستشفيات والمدارس، حيث تشير التقديرات إلى تدمير ما يقارب 90% من معالم الحياة في غزة. هذا السياق التاريخي والمأساوي كان يتطلب من كافة الأطراف، وخاصة القيادات المحلية، التركيز المطلق على إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتجنيب المدنيين ويلات صراعات المحاور الإقليمية التي لا تخدم المصلحة الوطنية الفلسطينية.

أخطاء الفصائل الفلسطينية والرهانات السياسية

ومع ذلك، يبرز موقف يثير الكثير من التساؤلات والانتقادات، يتمثل في إصرار بعض الفصائل المسلحة الفلسطينية في القطاع، وفي مقدمتها حركة حماس، على الانخراط المعنوي والسياسي في هذه الصراعات الإقليمية. إن توجيه رسائل التهنئة أو الدعم لأطراف تتورط في تصعيد عسكري ضد دول أخرى، يمثل خطأً استراتيجياً فادحاً. كان الأجدر بهذه الفصائل إظهار موقف عقلاني وصادق، وتثمين الدور التاريخي والمستمر لدول الخليج العربي التي لم تتوانَ يوماً عن تقديم الدعم المالي والإنساني والسياسي للشعب الفلسطيني في أحلك الظروف وأصعبها.

الأزمة الإنسانية: دمار شامل وحاجة ماسة للإغاثة

إن حالة الهدوء النسبي أو الصمت التكتيكي في غزة خلال هذه المرحلة العصيبة تُعد أمراً إيجابياً إذا تم استثمارها بالشكل الصحيح. لكن السلبي والمرفوض هو محاولة بعض الفصائل استدعاء الانتباه عبر تصريحات ومواقف سياسية تبدو وكأنها دعوة لإشراك غزة المنهكة في حروب إقليمية أوسع. إن الحكمة تقتضي استغلال أي هدوء للالتفات إلى المعاناة الإنسانية الكارثية لملايين المنكوبين في القطاع. الأولوية القصوى اليوم يجب أن تكون لتأمين قوافل الإغاثة، وتوفير الرعاية الطبية العاجلة لآلاف الجرحى والمصابين، والعمل الجاد على إنهاء الانقسام وتوحيد الصف الفلسطيني تحت مظلة وطنية واحدة، بدلاً من الانجرار خلف أجندات خارجية تبتعد تماماً عن المصالح العليا للشعب الفلسطيني.

التأثير الإقليمي والدولي ومساعي السلام

على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن استمرار تهميش غزة يهدد بتعميق حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط. لقد دفع أبناء هذا القطاع المنكوب أرواحهم ومستقبلهم ثمناً لأخطاء الحسابات السياسية والعسكرية. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يجب أن تُحيّد غزة عن أي صراعات إقليمية أو حروب بالوكالة. ينبغي على الفصائل المسلحة أن تنأى بنفسها عن سياسة المحاور لضمان عودة السلام والاستقرار. وفي الوقت ذاته، تقع مسؤولية كبرى على عاتق المجتمع الدولي، وخاصة الإدارة الأمريكية بصفتها راعية لعملية السلام، بألا تتجاهل حقوق الشعب الفلسطيني. يجب العمل بجدية وسرعة لاستئناف مسار سياسي واضح، والبناء على المبادرات السلمية السابقة، بما يضمن إنهاء المعاناة وتأسيس أفق سياسي يمنح الفلسطينيين حقوقهم المشروعة ويحقق الاستقرار الشامل في المنطقة.

spot_imgspot_img