spot_img

ذات صلة

الخليج: 90% من تشريعات السوق المشتركة و4 مشاريع عمل جديدة

لطالما سعى مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى تحقيق أهداف طموحة في التكامل الاقتصادي والمواءمة القانونية، بهدف بناء سوق إقليمية قوية وتنافسية. هذه الجهود حاسمة لتعزيز التجارة البينية، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وضمان بيئة أعمال عادلة وفعالة. وقد شكل الأسبوع الخليجي الثاني للقانون والتحكيم، الذي استضافته المنامة بالبحرين مؤخراً، منصة حيوية لاستعراض التقدم المحرز، ومناقشة التحديات الناشئة، ورسم مسارات مستقبلية في هذه المجالات بالغة الأهمية. جمع هذا الملتقى خبراء قانونيين وصناع سياسات وقادة صناعة للتداول حول المبادرات التشريعية الرئيسية وتأثيرها على المشهد الاقتصادي للمنطقة.

مشاريع قانونية لتنظيم سوق العمل الخليجي: نحو تنافسية وحوكمة أفضل

سلط الدكتور علي الصدّيقي، مستشار المدير العام للشؤون القانونية بالمكتب التنفيذي بمجلس التعاون الخليجي، الضوء على الخطوات الاستباقية المتخذة لتطوير سوق العمل في المنطقة. وكشف عن أربعة مشاريع قانونية مشتركة حاسمة تهدف إلى جعل سوق العمل الخليجي أكثر تنافسية وحوكمة من خلال أطر قوية. تعكس هذه المبادرات فهماً عميقاً لديناميكيات العمل العالمية المتطورة والحاجة إلى مواءمة الممارسات الإقليمية مع المعايير الدولية. تشمل المشاريع دراسة حول «الأعمال الشاقة والخطرة»، مع التركيز على حقوق العمال وظروفهم في القطاعات الصعبة، وهو أمر ذو صلة خاصة بالنظر إلى القاعدة الصناعية المتنوعة لدول مجلس التعاون الخليجي. علاوة على ذلك، يتناول مشروع «الإطار الإستراتيجي للسلامة والصحة المهنية» تحديات مكان العمل الحديثة، بما في ذلك السلامة الرقمية، وتأثير العمل في الظروف الجوية القاسية (مثل العمل وقت الظهيرة)، والجانب الذي غالباً ما يتم التغاضي عنه وهو الصحة النفسية في مكان العمل. يؤكد هذا النهج الشامل الالتزام برفاهية العمال بما يتجاوز السلامة البدنية التقليدية.

أما المشروع الثالث، «أشكال وأنماط العمل الجديدة»، فيقر بظهور اقتصاد المنصات والعمل بدوام جزئي، مما يستدعي أطراً قانونية واقتصادية جديدة لحماية العمال وضمان الممارسات العادلة في هذه القطاعات المزدهرة. وأخيراً، يعتبر مشروع «إطار إستراتيجي لمكافحة العمل الجبري والاتجار بالبشر» مبادرة حاسمة، تعزز التزام دول مجلس التعاون الخليجي بدعم حقوق الإنسان والقضاء على الممارسات الاستغلالية، بالاستناد إلى أنظمة حماية الأجور القائمة وأفضل الممارسات الدولية. تعد هذه المساعي التشريعية حيوية لخلق سوق عمل عادلة وجذابة ومستدامة تدعم أهداف التنويع الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي.

المترولوجيا: ركيزة أساسية للعدالة التجارية وحماية المستهلك

امتد النقاش ليشمل الدور الأساسي للمترولوجيا (علم القياس) في ضمان المعاملات التجارية العادلة والشفافة. أكد المهندس عبدالإله القرناس، رئيس قسم المقاييس بهيئة التقييس لدول مجلس التعاون الخليجي، أن المترولوجيا ليست مجرد استخدام للموازين أو العدادات، بل هي علم قياس دقيق، قابل للتكرار، ومعترف به محلياً ودولياً. إن وجودها في كل صفقة تجارية يجعلها عنصراً لا غنى عنه لحماية المستهلك والتجارة العادلة. ومع ذلك، تواجه المنطقة تحديات مثل نقص المختبرات المعتمدة، وعدم وجود معايرة معترف بها دولياً، وعدم كفاية الوعي القانوني بين المهنيين القانونيين بأهمية المترولوجيا. كما أن ضعف الربط المؤسسي وتفاوت التشريعات الوطنية يزيدان من تعقيد الجهود. للتغلب على هذه العقبات، دعا القرناس إلى دمج مفاهيم المترولوجيا القانونية في برامج التدريب القانوني، ومواءمة أنظمة القياس عبر دول مجلس التعاون الخليجي، وتوسيع دور التجمع الخليجي للمترولوجيا، واعتماد العدادات الذكية وأنظمة التتبع الرقمي لتعزيز الشفافية. إن بنية تحتية قوية للمترولوجيا ضرورية لدول مجلس التعاون الخليجي للمنافسة بفعالية في الأسواق العالمية وبناء الثقة بين الشركاء التجاريين.

إنجازات السوق الخليجية المشتركة: تعزيز التكامل الاقتصادي

جاء إعلان انتصار الوهيبة، المديرة العامة للمركز الإحصائي لدول مجلس التعاون الخليجي، عن صدور 90% من التشريعات الخاصة بالسوق الخليجية المشتركة عبر 10 مسارات رئيسية، كإنجاز بارز. يمثل هذا الإنجاز تقدماً كبيراً نحو التكامل الاقتصادي الكامل، وهو هدف طويل الأمد لمجلس التعاون الخليجي منذ إنشائه عام 1981. تهدف السوق المشتركة إلى تحقيق وحدة اقتصادية كاملة، تسمح بحرية حركة السلع والخدمات ورأس المال والعمالة بين الدول الأعضاء. قدمت الوهيبة إحصائيات مقنعة توضح تأثير السوق: نمو ملحوظ بنسبة 188.5% في حركة المواطنين بين الدول الأعضاء منذ عام 2007، ليصل إلى 41.4 مليون حركة؛ وزيادة بنسبة 30.3% في الشركات المساهمة العامة المتاحة لمواطني دول مجلس التعاون، لتصل إلى 748 شركة؛ ونمو مذهل بنسبة 237.6% في إجمالي رؤوس أموالها، ليبلغ 549 مليار دولار أمريكي. كما شهدت التجارة البينية لدول مجلس التعاون الخليجي زيادة بنسبة 85.2% منذ عام 2012، لتصل إلى 146 مليار دولار. على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال هناك تحديات، بما في ذلك تباين البيانات، وتفاوت جاهزية البيانات بين الدول الأعضاء، ونقص الوعي العام بفوائد السوق المشتركة. يخطط المركز الإحصائي لإطلاق حملة إعلامية لمعالجة هذه الفجوة في الوعي وتعزيز التنسيق بين الجهات المنفذة. إن التنفيذ الناجح للسوق المشتركة أمر محوري لتعزيز المرونة الاقتصادية الجماعية لدول مجلس التعاون الخليجي وتعزيز الازدهار الإقليمي.

التحول الجذري في التحكيم الخليجي: تحديات وفرص

كان تحول مشهد التحكيم في دول مجلس التعاون الخليجي موضوعاً رئيسياً آخر. أشار سامي الهواري، عضو المحكمة الدولية للتحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية، إلى «تغيير جذري وشامل» في الجوانب التشريعية والمؤسسية والقضائية والقطاع الخاص. هذا التطور مدفوع بإرادة سياسية قوية، تدرك أن التحكيم هو حجر الزاوية لحل النزاعات التجارية بكفاءة وعدالة. إن وجود إطار تحكيم قوي أمر بالغ الأهمية لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر وتوفير الثقة للشركات العاملة في المنطقة. وتؤكد المشاركة النشطة للقضاة والمحكمين في المؤتمرات الإقليمية على تزايد عدد المهنيين المؤهلين.

ومع ذلك، أشار الدكتور بيترو باولو رامبينو، رئيس الغرفة التجارية العربية الإيطالية المشتركة، إلى فجوة حرجة: نقص المحكمين الدوليين المؤهلين من دول مجلس التعاون الخليجي. لا تزال العديد من القضايا الإقليمية تُحكّم في الخارج بسبب نقص الثقة المتصور، والذي يُعزى غالباً إلى حواجز اللغة (اللغة الإنجليزية هي المهيمنة في التحكيم الدولي) والحاجة إلى المزيد من الخبرة المتخصصة بين المحكمين المحليين. إن تطوير كوادر قوية من المحكمين الدوليين المحليين أمر ضروري لدول مجلس التعاون الخليجي لتأكيد سيادتها القانونية وتعزيز مكانتها كمركز تحكيم عالمي.

خاتمة: نحو مستقبل اقتصادي وقانوني متكامل

لقد أكد الأسبوع الخليجي الثاني للقانون والتحكيم التزام دول مجلس التعاون الخليجي الثابت بدفع أجندتها للتكامل القانوني والاقتصادي. فمن تحديث قوانين العمل وتعزيز معايير المترولوجيا إلى تحقيق الإمكانات الكاملة للسوق المشتركة وتعزيز قدرات التحكيم، تعمل المنطقة بنشاط على بناء بيئة أكثر تنافسية وشفافية وعدالة للشركات والمواطنين على حد سواء. إن معالجة التحديات المحددة من خلال التعاون المستمر والمبادرات الاستراتيجية سيكون مفتاحاً لإطلاق المزيد من النمو وتوطيد دور دول مجلس التعاون الخليجي كقوة اقتصادية ديناميكية على الساحة العالمية.

spot_imgspot_img