تواجه المنظومة الدفاعية لألمانيا تحدياً استراتيجياً غير مسبوق منذ انتهاء الحرب الباردة، حيث كشفت تقارير حديثة عن تراجع حاد في قدرات الدفاع الجوي للجيش الألماني (بوندسفير). يأتي هذا التراجع نتيجة مباشرة لسياسة الدعم العسكري المكثف لأوكرانيا، مما أدى إلى استنزاف مخزونات صواريخ «باتريوت» الحيوية، وسط مخاوف من عدم القدرة على تعويض هذا النقص قبل مطلع العقد القادم.
ضريبة الدعم غير المشروط لكييف
في سياق التحول الجذري في السياسة الدفاعية الألمانية عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، تصدرت برلين المشهد كواحدة من أكبر الداعمين العسكريين لكييف. وكشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن ألمانيا باتت أكثر انكشافاً أمام التهديدات الجوية والصاروخية المحتملة، وذلك بعد نقلها جزءاً كبيراً وحيوياً من بطاريات «إم آي إم-104 باتريوت» بعيدة المدى إلى الجبهات الأوكرانية منذ بداية عام 2023.
ولم يقتصر الأمر على أوكرانيا فحسب، بل امتدت الالتزامات الألمانية لتشمل حماية أجواء الحلفاء في «الناتو»، حيث تم نشر ما تبقى من هذه الأنظمة لتعزيز الدفاعات الجوية البولندية على الجناح الشرقي للحلف، وهو ما زاد من الضغط على الموارد المتاحة محلياً.
اعترافات رسمية بنفاد المخزون
لم تكن هذه الأزمة مفاجئة لصناع القرار في برلين؛ فقد صرحت وزيرة الخارجية الألمانية السابقة، أنالينا بيربوك، في أبريل 2024، بتصريحات صادمة أكدت فيها أن مخزونات البلاد من أنظمة «باتريوت» قد نفدت «إلى حد كبير». وأشارت حينها إلى أن برلين تبذل جهوداً دبلوماسية حثيثة للبحث عن أي منظومات متاحة في دول ثالثة لشرائها أو تحويلها لأوكرانيا، مما يعكس عمق الفجوة بين المتطلبات الدفاعية والواقع الميداني.
أزمة سلاسل الإمداد الأمريكية وتأثيرها العالمي
تتفاقم المشكلة الألمانية بسبب تعقيدات المشهد الصناعي العسكري في الولايات المتحدة، المصنع الرئيسي لهذه المنظومات. فعلى الرغم من تخصيص برلين ميزانية ضخمة في عام 2024 للتعاقد على شراء ثماني منظومات «باتريوت» جديدة بتكلفة تصل إلى 2.33 مليار دولار للمنظومة الواحدة، إلا أن جداول التسليم تواجه عقبات كبرى.
وتشير بيانات وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) إلى انخفاض مخزون الصواريخ الاعتراضية الأمريكية إلى نحو 25% فقط من المستوى الآمن استراتيجياً، وذلك نتيجة الاستهلاك الهائل في نزاعات متعددة، أبرزها الحرب في أوكرانيا والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، حيث استهلك الجيش الأمريكي أكثر من 800 صاروخ اعتراضي في أقل من أسبوع خلال مواجهات إقليمية.
فجوة القدرات حتى ثلاثينيات القرن الحالي
يرى خبراء عسكريون أن هذه المعطيات تضع ألمانيا وحلف الناتو أمام «فجوة قدرات» خطيرة قد تمتد لسنوات. فمع إعطاء واشنطن الأولوية لترميم مخزونها الاستراتيجي وتلبية احتياجات مناطق ساخنة أخرى مثل تايوان، من المرجح ألا تتسلم ألمانيا أعداداً كافية من الصواريخ الاعتراضية الجديدة لملء مخازنها قبل مطلع ثلاثينيات القرن الحالي.
هذا التأخير يترك الأجواء الألمانية، وربما الأوروبية، في حالة من الضعف النسبي في توقيت يشهد فيه العالم سباق تسلح محموم وتطوراً نوعياً في تكنولوجيا الصواريخ الهجومية والمسيرات، مما يفرض على برلين إعادة تقييم شاملة لاستراتيجيتها الدفاعية والصناعية.


