spot_img

ذات صلة

ألمانيا تقترح بعثة ناتو لحماية جرينلاند: أمن القطب الشمالي

كشفت مصادر مطلعة أن الحكومة الألمانية تعتزم اقتراح إنشاء بعثة عسكرية مشتركة لحلف شمال الأطلسي «الناتو»، قد يُطلق عليها اسم «حارس القطب الشمالي»، بهدف رئيسي هو مراقبة وحماية المصالح الأمنية الحيوية في منطقة القطب الشمالي، مع تركيز خاص على جزيرة جرينلاند.

السياق الجيوسياسي المتصاعد في القطب الشمالي

يأتي هذا الاقتراح الألماني في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة القطب الشمالي، التي اكتسبت أهمية استراتيجية متزايدة على مدى العقدين الماضيين. تاريخياً، كانت جرينلاند، أكبر جزيرة في العالم وتتمتع بحكم ذاتي ضمن مملكة الدنمارك، نقطة محورية خلال الحرب الباردة، حيث استضافت قاعدة ثول الجوية الأمريكية، التي كانت حاسمة في أنظمة الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي. لطالما أبدت الولايات المتحدة اهتماماً استراتيجياً بالجزيرة، حتى أنها حاولت شراءها في مناسبات سابقة، أبرزها عام 1946.

في الآونة الأخيرة، أدت ظاهرة ذوبان الجليد بفعل التغير المناخي إلى فتح طرق بحرية جديدة عبر القطب الشمالي، مثل الممر الشمالي الشرقي والممر الشمالي الغربي، مما يقلل من أوقات الشحن بين آسيا وأوروبا ويفتح الباب أمام استغلال موارد طبيعية هائلة غير مستكشفة، بما في ذلك النفط والغاز والمعادن النادرة. هذا التحول الجغرافي والاقتصادي أثار تنافساً حاداً بين القوى الكبرى، حيث كثفت روسيا من وجودها العسكري والاقتصادي في المنطقة، مع إعادة فتح قواعد عسكرية سوفيتية سابقة وبناء أسطول من كاسحات الجليد. كما أبدت الصين اهتماماً متزايداً بالمنطقة كجزء من مبادرة “طريق الحرير القطبي”، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني.

تهدئة التوتر مع واشنطن وتعزيز تماسك الناتو

يهدف الاقتراح الألماني، وفقاً لتقارير «بلومبرغ»، إلى تخفيف التوتر المتصاعد مع الولايات المتحدة، خصوصاً بعد حديث الرئيس السابق دونالد ترمب الأخير عن ضرورة ضم جرينلاند لأسباب تتعلق بالأمن القومي. كانت إدارة ترمب قد أعادت طرح فكرة السيطرة على جرينلاند عام 2019، مما أثار رفضاً قاطعاً من الدنمارك والمجتمع الدولي. يرى الأوروبيون أن أي محاولة أمريكية لضم الجزيرة تهدد مبادئ السيادة والقانون الدولي، وقد تفتت تماسك حلف الناتو نفسه، الذي يعتمد على الاحترام المتبادل لسيادة الدول الأعضاء والحلفاء.

تأتي هذه الخطوة الألمانية أيضاً في سياق أوسع لتعزيز الوحدة الأوروبية داخل الناتو، حيث أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن، سابقًا أن أي هجوم أمريكي على جرينلاند قد يهدد وجود الناتو. وقد أصدر قادة أوروبيون بارزون، بينهم بريطانيا وفرنسا وألمانيا والدنمارك، بيانًا مشتركًا يؤكد سيادة جرينلاند ويشدد على أن أمن القطب الشمالي يجب حمايته جماعيًا داخل الحلف، مما يعكس إجماعاً أوروبياً على أهمية هذه القضية.

نموذج “Baltic Sentry” وإطار العمل المقترح

وأوضحت المصادر أن بعثة «Baltic Sentry» التي أطلقها الناتو لحماية البنية التحتية الحيوية في بحر البلطيق قبل عام، قد تكون نموذجًا للبنية الجديدة في القطب الشمالي. هذه البعثة أثبتت فعاليتها في تعزيز الأمن البحري ومراقبة الأنشطة في منطقة حساسة. من المتوقع أن تشمل بعثة «حارس القطب الشمالي» جرينلاند ضمن نطاق عملها العسكري والأمني، مع التركيز على المراقبة البحرية والجوية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وإجراء تدريبات مشتركة لتعزيز القدرات الدفاعية في المنطقة.

الأهمية الاستراتيجية لجرينلاند وتأثير البعثة

تعد جرينلاند ذات أهمية استراتيجية وجيوسياسية لا تقدر بثمن. فبالإضافة إلى حجمها الهائل (مساحة تعادل ستة أضعاف ألمانيا)، وموقعها الفريد الذي يربط المحيط الأطلسي بالقطب الشمالي، فإنها تمثل خط دفاع أول محتملاً لأمريكا الشمالية وأوروبا. إن حماية أمنها وسيادتها أمر بالغ الأهمية ليس فقط للدول الاسكندنافية، بل للحلف الأطلسي بأكمله.

من المتوقع أن يكون للبعثة المقترحة تأثيرات متعددة: على الصعيد المحلي، ستعزز الشعور بالأمان لدى سكان جرينلاند والدنمارك. إقليمياً، ستساهم في استقرار منطقة القطب الشمالي وتقليل مخاطر التصعيد العسكري. دولياً، سترسل رسالة واضحة حول التزام الناتو بالدفاع الجماعي وحماية مصالح أعضائه في جميع المناطق الاستراتيجية، مع التأكيد على أهمية القانون الدولي والسيادة في التعامل مع التحديات الجيوسياسية المعاصرة.

spot_imgspot_img