ألمانيا تدعو أوروبا لحماية صناعاتها الحيوية من المنافسة الصينية المتصاعدة
في خطوة تعكس المخاوف المتزايدة بشأن الممارسات التجارية العالمية، حث يواكيم ناغل، رئيس البنك المركزي الألماني، الاتحاد الأوروبي على تعزيز حماية صناعاته الرئيسية بشكل فعال ضد المنافسة الشديدة من الصين. ودعا ناغل إلى ضرورة وضع “خطوط حمراء” واضحة لا يمكن للصين تجاوزها، مؤكداً على أهمية الحفاظ على القدرة التنافسية والسيادة الاقتصادية لأوروبا.
جاءت تصريحات ناغل خلال مقابلة مع صحيفة “تاغسشبيغل” الألمانية، حيث أشار إلى أن الصين، على الرغم من كونها سوقاً جذاباً للمصدرين الأوروبيين ومصدراً حيوياً للسلع الاستهلاكية، تتطلب نهجاً حذراً وغير ساذج، خاصة فيما يتعلق بالقطاعات الاستراتيجية مثل صناعة السيارات. هذه الصناعة، التي تعد عصب الاقتصاد الألماني والأوروبي، تواجه تحديات غير مسبوقة من الشركات الصينية المدعومة حكومياً، لا سيما في قطاع السيارات الكهربائية.
سياق تاريخي وتصاعد التوترات التجارية
تأتي هذه الدعوة في سياق تحول كبير في العلاقات الاقتصادية بين أوروبا والصين. فبعد عقود من التعاون التجاري والاستثماري الذي شهد نمواً هائلاً، بدأت الدول الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا، تعيد تقييم استراتيجياتها. كانت الصين في السابق شريكاً تجارياً رئيسياً ومصنعاً عالمياً، لكن طموحاتها الصناعية، التي تجسدت في مبادرات مثل “صنع في الصين 2025″، أثارت مخاوف بشأن المنافسة غير العادلة، بما في ذلك الدعم الحكومي الهائل للشركات المحلية، وسرقة الملكية الفكرية، والوصول المقيد للأسواق الأوروبية.
هذا التحول ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة لتراكم التحديات التي واجهتها الصناعات الأوروبية في قطاعات مثل الطاقة المتجددة (حيث تضررت صناعة الألواح الشمسية الأوروبية بشدة في الماضي) والآن في قطاع السيارات الكهربائية. تسعى الصين بقوة لتصبح رائدة عالمياً في هذه المجالات، وغالباً ما يتم ذلك بفضل دعم حكومي كبير يمنح شركاتها ميزة تنافسية غير عادلة في الأسواق العالمية.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع
إن دعوة رئيس البنك المركزي الألماني تعكس إدراكاً متزايداً في الأوساط الأوروبية بأن الاعتماد المفرط على الصين، أو السماح بممارسات تجارية غير عادلة، يمكن أن يقوض أسس الصناعات الأوروبية ويهدد الوظائف والابتكار. على المستوى المحلي والإقليمي، فإن حماية صناعة السيارات الأوروبية، على سبيل المثال، أمر حيوي لملايين الوظائف المباشرة وغير المباشرة، وللحفاظ على القدرة التنافسية التكنولوجية لأوروبا في التحول نحو التنقل المستدام.
على الصعيد الدولي، يمكن أن تؤدي هذه الدعوات إلى تشديد السياسات التجارية للاتحاد الأوروبي تجاه الصين، بما في ذلك فرض رسوم جمركية أو اتخاذ إجراءات مضادة أخرى. وقد بدأ الاتحاد الأوروبي بالفعل تحقيقات في الدعم الحكومي الصيني لشركات السيارات الكهربائية والقطاعات الأخرى. مثل هذه الإجراءات، وإن كانت تهدف إلى تحقيق تكافؤ الفرص، قد تؤدي إلى تصعيد التوترات التجارية العالمية، مما يؤثر على سلاسل التوريد العالمية والاقتصاد العالمي ككل. ومع ذلك، يرى العديد من القادة الأوروبيين أن اتخاذ موقف حازم ضروري للحفاظ على النظام التجاري القائم على القواعد وحماية مصالحهم الاقتصادية على المدى الطويل.
حماية الصناعات من السياسات العدوانية
وأكد ناغل على هذه النقطة قائلاً: “قبل أن تسقط واحدة من صناعاتنا الرئيسية ضحية لسياسة صناعية عدوانية، يجب علينا حمايتها بشكل أكثر فعالية، ويجب على أوروبا أن ترسم وتؤكد خطوطها الحمراء فيما يتعلق بالصين”. هذا التصريح يسلط الضوء على الحاجة الملحة لاستراتيجية أوروبية موحدة وقوية لمواجهة التحديات الاقتصادية المتغيرة.
وفي سياق متصل، أشار ناغل إلى أن السياسات التجارية التي اتبعها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، رغم أنها أضرت بالجميع، إلا أن المستهلكين الأمريكيين كانوا الخاسرين الرئيسيين منها. كما أضاف أنه من الصعب حالياً تحديد مدى تأثير الرسوم الجمركية على الاقتصاد الألماني، الذي لا يعاني من التدهور الذي يوصف غالباً، مشيراً إلى مرونة الاقتصاد الألماني وقدرته على التكيف.
تتطلب هذه الدعوات من أوروبا صياغة استراتيجية شاملة تجمع بين الانفتاح التجاري الحذر، وحماية الصناعات الاستراتيجية، وتعزيز الابتكار المحلي، مع السعي للحفاظ على علاقات دبلوماسية مستقرة مع الصين. إن التوازن بين هذه الأهداف المتعارضة سيكون التحدي الأكبر لأوروبا في السنوات القادمة.


