spot_img

ذات صلة

جدل رواية بنات الرياض: نقد عبدالله بن بخيت ورجاء الصانع

اشتعل فضاء التواصل الاجتماعي مؤخراً بجدل حاد حول رواية «بنات الرياض» للكاتبة رجاء الصانع، التي صدرت قبل عقدين تقريباً. هذا السجال الجديد، الذي أجّجه الكاتب عبدالله بن بخيت، يعيد إلى الواجهة نقاشات قديمة حول العمل الأدبي وتأثيره، ويطرح تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين النقد المشروع والتشهير.

عند صدورها في عام 2006، لم تكن «بنات الرياض» مجرد رواية؛ بل كانت ظاهرة ثقافية غيرت المشهد الأدبي والاجتماعي في السعودية والعالم العربي. جاءت الرواية في فترة كانت تشهد فيها المملكة تحولات اجتماعية وثقافية بطيئة ولكنها عميقة، حيث بدأت أصوات جديدة تظهر وتطالب بمساحات أوسع للتعبير. الرواية، التي تناولت حياة أربع شابات سعوديات في الرياض، كشفت عن تطلعاتهن وتحدياتهن وعلاقاتهن العاطفية، مقدمة صورة جريئة ومختلفة عن المجتمع السعودي المحافظ آنذاك. وقد ساهم نشرها الأولي عبر الإنترنت قبل طباعتها في زيادة انتشارها وجدليتها.

كان تأثير الرواية محلياً وإقليمياً ودولياً عميقاً. على الصعيد المحلي، أشعلت «بنات الرياض» نقاشات غير مسبوقة حول قضايا المرأة، والتقاليد، والحداثة، وكسرت العديد من «التابوهات» الاجتماعية. لقد فتحت الباب أمام جيل جديد من الكتاب السعوديين لتناول مواضيع حساسة بجرأة أكبر. إقليمياً، أصبحت الرواية رمزاً للأدب العربي المعاصر الذي يتصدى للقضايا الاجتماعية الشائكة، وألهمت كتاباً آخرين في المنطقة لاستكشاف عوالم مشابهة. أما دولياً، فقد قدمت الرواية للعالم نافذة نادرة على المجتمع السعودي، وتمت ترجمتها إلى عدة لغات، مما جعلها واحدة من أكثر الروايات العربية المعاصرة قراءةً وتأثيراً عالمياً. إن تجدد الجدل حولها اليوم، بعد ما يقارب العقدين، يؤكد على استمرارية أهميتها وتأثيرها في الوعي الثقافي والاجتماعي.

الجدل الأخير انطلق من آراء وتعليقات قدمها الكاتب عبدالله بن بخيت في مقالات سابقة وورقة عمل حديثة، حيث اعتبر ما طرحه «نقداً مشروعاً» لا بد أن تتقبله الكاتبة التي تطمح لتطوير أدواتها. وقد ركز بن بخيت على ضرورة التناغم بين عمر الكاتبة والأحداث التي وثقتها سردياً، مشيراً إلى أن النقد يأتي من خبير يتطلع إلى هذا التناغم.

في المقابل، ذهب آخرون إلى أن رجاء الصانع نجحت في كسر حواجز اجتماعية وأدبية، وسجلت بروايتها وثيقة للتحولات الأولى في المجتمع السعودي. وأشاروا إلى مهارتها في اختيار العنوان الدال، وتوظيف الجندر (بنات) والفضاء المكاني (الرياض)، مما منح الرواية مساحة أرحب للجدل، ودليل على ذلك ترجمتها إلى لغات أجنبية عدة. واعتبر هؤلاء أن نقد بن بخيت هو إثارة لجدل فات عليه الزمن، وتطاول على شخص الكاتبة.

الكاتبة ميسون أبو بكر رأت في رجاء الصانع «بطلة»، مؤكدة أن الرواية كلما حضرت حضر الجدل حولها. وأبدت استغرابها من رد فعل الصانع «الغاضب وغير المتوقع» على سؤال الروائي عبدالله بن بخيت المشروع في عالم الأدب والكتابة، بعد 20 عاماً من صدور الرواية، مشددة على أنه كان من الطبيعي أن تتقبل النقد بسعة صدر. وأشارت أبو بكر إلى الحراك والجدل الذي أحدثته الرواية، وكيف كان الآلاف ينتظرون مؤلفتها صباح كل جمعة للتسلل على الأسوار التي ظلت عالية لزمن، مبدية إعجابها باقتباسات الرواية العذبة. وتساءلت: ماذا لو غضّت رجاء الصانع الطرف عن كل هذا الصخب؟ مستعيدة جملة أحلام مستغانمي «يكفي أن تكتب امرأة واحدة لتتجه كل أصابع الاتهام إليها».

من جانبه، أوضح الناقد رجاء بن ساير المطيري أنه في غياب دليل واضح أو اعتراف من أي طرف له علاقة بالرواية، فإن فكرة التشكيك في تأليفها تغدو بلا معنى، خصوصاً أنها العمل الأول للكاتبة. وعدّ الرواية بسيطة ولا تحتمل كل هذا الجدل. كما وصف الناقد الدكتور مبارك الخالدي رجاء الصانع بأنها «محظوظة وحظها يفلق الحجر»، مؤكداً على مبدأ «موت المؤلف» الذي يحرر القارئ من سلطة الكاتب.

المستشار الثقافي الدكتور عبدالله الكعيد أرجع اللغط الدائر حول الرواية إلى خطوط الأحداث المتوازية عبر عصور وأزمان مختلفة، موضحاً أن الكاتب قد يلغي عنصر التاريخ عمداً في بعض الروايات، تاركاً للقارئ حرية تركيب الزمان. وأكد أن السارد يهتم بتكثيف التصاعد الدرامي للأحداث، وقد يخلط الماضي بالحاضر ويتنبأ بالمستقبل، مشدداً على أن الخيال الرحب هو إحدى أدوات السارد الرئيسية، ولا يُفترض به أن تقتصر كتابته على عصر عايشه.

في سياق متصل، أكدت المحامية الدكتورة رباب المعبي على أهمية ضبط المفاهيم والمصطلحات القانونية في مناقشة حقوق الملكية الفكرية. وأوضحت أن المؤلف يتمتع بحقوق أدبية (معنوية) أبدية، مثل حق الأبوة (نسبة المصنف إلى مؤلفه الحقيقي)، وحقوق مالية مؤقتة. وشددت على أن النقد الأدبي ينصب على النص ذاته لا على شخص المؤلف، ويجب أن يكون موضوعياً، بعيداً عن التجريح أو التشهير أو التشكيك في النوايا. ولفتت إلى أن نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية يجرم التشهير بالآخرين أو إلحاق الضرر بهم عبر وسائل التقنية، حتى لو كان ذلك تحت غطاء الرأي. وأكدت أن الفيصل بين النقد المشروع والتشهير هو توجيه الحديث إلى النص لا إلى شخص المؤلف، مع الالتزام بالموضوعية واللغة المهنية وعدم المساس بالسمعة أو الكرامة. وأشارت إلى أن النظام السعودي يكفل حرية التعبير في إطار الشريعة والأنظمة، مع إيلاء حماية السمعة والكرامة الشخصية أهمية قصوى، مؤكدة أن حرية التعبير ليست رخصة للإساءة، وأن النقد ليس مبرراً للتشهير.

أخيراً، نفى الناقد الدكتور أحمد القيسي أن يكون الراحل غازي القصيبي قد جنى على كاتبة «بنات الرياض» بتقديمه للعمل والثناء عليه. وأوضح أن الرواية كانت عملاً جديداً ورائداً في ذلك الوقت، من حيث بنيتها التفاعلية وفكرتها التي صادمت الواقع المنغلق، ولم تكن عملاً «فضائحياً». وأثنى القيسي على دور القصيبي النبيل في تسليط الضوء على عمل يستحق، مؤكداً أنه لا يمكن إدانته ببعض الشكوك أو النيل منه، وأن دوره كان تشجيعاً للإبداع وإبرازاً للأعمال الجادة.

spot_imgspot_img