شهدت أسواق الأسهم والسندات العالمية تقلبات ملحوظة وتغيرات جذرية في اتجاهاتها عقب التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب. فقد قفزت أسعار النفط الخام مجدداً إلى مستويات قياسية، بينما تراجعت مؤشرات الأسهم الكبرى والسندات الدولية. جاء هذا التباين الحاد بعد أن بدد ترمب التفاؤل الحذر الذي كان يسود الأسواق بشأن قرب التوصل إلى تسوية سريعة للتوترات مع إيران، وتراجع الاضطرابات المتعلقة بتدفقات إمدادات الخام والغاز الطبيعي إلى الأسواق العالمية.
تداعيات التوترات الجيوسياسية على أسواق الأسهم والسندات العالمية
في ظل هذه الأجواء المشحونة، تعرضت أسواق الأسهم والسندات العالمية لضغوط بيعية مكثفة. وانخفضت عقود مؤشر «ناسداك 100» بنسبة 1.9% متأثرة بموجة بيع واسعة النطاق استهدفت أسهم كبرى شركات التكنولوجيا وصناع الرقائق الإلكترونية خلال التداولات المبكرة قبل افتتاح السوق. وفي السياق ذاته، تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «إس آند بي 500» بنسبة 1.5%، ليفقد المؤشر مكاسبه بعدما سجل أعلى مستوى له منذ أسبوع في الجلسة السابقة.
لم يقتصر التراجع على الأسواق الأمريكية فحسب، بل امتد التأثير السلبي ليشمل الأسهم الآسيوية والأوروبية على حد سواء. فقد انخفض مؤشر «إم إس سي آي» لأسهم آسيا والمحيط الهادئ بنسبة 2.1%، متراجعاً عن الانتعاش الطفيف الذي حققه بعد أن سجل أسوأ أداء شهري له في أكثر من 17 عاماً. كما تراجع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 1.4%، حيث قوض خطاب ترمب موجة الصعود الناشئة التي كانت تأمل الأسواق في استمرارها.
جذور الأزمة: كيف تحرك السياسة أسواق الطاقة؟
لفهم السياق العام والخلفية التاريخية لهذا الحدث، يجب النظر إلى الحساسية العالية التي توليها أسواق الطاقة للتصريحات السياسية المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط. تاريخياً، يُعد مضيق هرمز شرياناً حيوياً لتدفقات النفط العالمية، وأي تلميح بتعطيل الملاحة فيه يثير ذعراً فورياً بين المستثمرين. وقد استغل ترمب خطابه، الذي بُث في وقت ذروة المشاهدات، للتعهد بشن هجمات أعنف على إيران خلال الأسابيع القليلة القادمة، دون تقديم أي خطط واضحة أو ضمانات لإعادة فتح مضيق هرمز وتأمين الملاحة.
ونتيجة لهذه التصريحات التصعيدية، زادت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 7.96 دولار (أي بنسبة 7.9%) لتصل إلى 109.12 دولار للبرميل. كما صعدت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 12.48 دولار (بنسبة 12.5%) لتسجل 112.60 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى لها منذ التاسع من مارس الماضي. وتتجه هذه الأسعار نحو تسجيل أكبر ارتفاع مطلق في الأسعار منذ أزمة انهيار الأسواق في عام 2020. وفي أوروبا، قفزت أسعار العقود المستقبلية للديزل بشكل جنوني لتلامس حاجز 200 دولار للبرميل.
الأبعاد الاقتصادية وتأثيرها الإقليمي والدولي المتوقع
يحمل هذا الحدث أهمية كبرى وتأثيراً بالغاً على المشهد الاقتصادي الدولي. فارتفاع أسعار النفط بهذا الشكل المتسارع يغذي المخاوف من عودة معدلات التضخم للارتفاع، مما يربك حسابات البنوك المركزية العالمية. وقد أدى هذا المشهد إلى تراجع السندات عالمياً، لتنهي موجة الارتفاع التي شهدتها مؤخراً. إن توقعات استمرار ارتفاع أسعار النفط دفعت المتعاملين إلى بدء رهانات جديدة على قيام البنوك المركزية بتشديد السياسة النقدية لفترات أطول للسيطرة على التضخم المستورد.
انعكس هذا التأثير بوضوح على عوائد سندات الخزانة الأمريكية على مختلف آجال الاستحقاق؛ إذ زاد عائد السندات لأجل عامين بمقدار 3 نقاط أساس ليصل إلى 3.38%، وارتفع العائد لأجل 10 سنوات بالمقدار نفسه ليصل إلى 4.35%. ومع هذه التطورات، قلص المتداولون احتمالات قيام بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بخفض أسعار الفائدة من أكثر من 20% إلى نحو 15% فقط. وفي أسواق العملات والمعادن، سجل الدولار الأمريكي أكبر ارتفاع له منذ أسبوع كونه ملاذاً آمناً، بينما أنهى الذهب سلسلة مكاسب متتالية امتدت لأربعة أيام، مما يعكس إعادة تسعير المستثمرين للمخاطر في ظل المشهد الجيوسياسي المعقد.


