شهدت أسعار المعادن النفيسة، وعلى رأسها الذهب، تراجعاً ملحوظاً في المعاملات الفورية اليوم، متأثرة بشكل مباشر بقوة الدولار الأمريكي الذي واصل صعوده. فقد انخفض الذهب بنسبة 0.8% ليصل إلى 4799.79 دولار للأوقية، بعد أن كان قد سجل مستوى قياسياً مرتفعاً بلغ 4887.82 دولار في الجلسة السابقة، مما يعكس تقلبات السوق الحادة. كما هبطت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم فبراير بنسبة 0.6% لتستقر عند 4806.60 دولار للأوقية.
يُعد ارتفاع قيمة الدولار الأمريكي عاملاً رئيسياً في الضغط على أسعار السلع المقومة بالدولار، بما في ذلك المعادن النفيسة. فعندما يرتفع الدولار، تصبح هذه السلع أكثر تكلفة بالنسبة للمستثمرين الذين يحملون عملات أخرى، مما يقلل من جاذبيتها ويؤدي إلى انخفاض الطلب عليها. غالباً ما يرتبط صعود الدولار بتوقعات رفع أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية، خاصة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، في محاولة لكبح جماح التضخم. هذه السياسات تجعل الأصول التي تدر عوائد، مثل السندات، أكثر جاذبية مقارنة بالذهب الذي لا يدر عائداً.
لطالما اعتبر الذهب ملاذاً آمناً للمستثمرين في أوقات عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي. تاريخياً، يميل المستثمرون إلى اللجوء إليه لحماية ثرواتهم من التضخم أو تقلبات الأسواق المالية. ومع ذلك، فإن قوة الدولار وتوقعات السياسات النقدية المتشددة يمكن أن تتجاوز أحياناً هذا الدور الوقائي، خاصة عندما تكون هناك ثقة متزايدة في استقرار الاقتصاد العالمي أو توقعات بأن التضخم سيتم السيطرة عليه. شهدت أسعار الذهب ارتفاعات قياسية في فترات الأزمات الكبرى، مثل الأزمة المالية العالمية عام 2008 أو خلال جائحة كوفيد-19، حيث كان يُنظر إليه كضمان ضد الانهيار الاقتصادي. لكن في ظل بيئة اقتصادية تتسم برفع أسعار الفائدة، قد يواجه الذهب تحديات.
لم يكن الذهب وحده المتأثر بهذا الضغط، فقد انخفضت الفضة في المعاملات الفورية بنسبة 0.9% لتصل إلى 92.38 دولار للأوقية، بعد أن سجلت مستوى قياسياً مرتفعاً عند 95.87 دولار أمس. الفضة، التي تُعرف بأنها “ذهب الفقراء”، تتأثر أيضاً بقوة الدولار، ولكنها تتميز بكونها معدناً صناعياً مهماً، مما يجعلها حساسة أيضاً للطلب الصناعي العالمي. كذلك، هبط البلاتين في المعاملات الفورية بنسبة 2.7% ليصل إلى 2415.60 دولار للأوقية، بعد أن سجل مستوى قياسياً عند 2511.80 دولار أمس (الأربعاء). وتراجع البلاديوم بنسبة 1% إلى 1821.50 دولار، بعدما سجل أعلى مستوى في أسبوع خلال الجلسة السابقة. هذه المعادن، التي تستخدم بشكل واسع في صناعة السيارات (المحولات الحفازة) والصناعات الأخرى، تتأثر بشكل كبير بتوقعات النمو الاقتصادي العالمي، بالإضافة إلى تأثير الدولار.
هذه التقلبات في أسعار المعادن النفيسة تحمل دلالات مهمة للمستثمرين والمتعاملين في الأسواق العالمية. فبالنسبة للمستثمرين الذين يعتمدون على الذهب والفضة كجزء من استراتيجيات التحوط أو التنويع، قد تتطلب هذه التراجعات إعادة تقييم لمحافظهم. كما أنها قد تشير إلى تحول في معنويات السوق نحو الأصول الأكثر خطورة، مدفوعة بتفاؤل حذر بشأن الاقتصاد العالمي أو توقعات بأن البنوك المركزية ستواصل مسارها التشديدي. من المتوقع أن تظل أسعار المعادن النفيسة تحت المراقبة الدقيقة، حيث ستلعب قرارات البنوك المركزية بشأن أسعار الفائدة، ومعدلات التضخم، والتطورات الجيوسياسية دوراً حاسماً في تحديد مسارها المستقبلي. أي تغيير في هذه العوامل قد يؤدي إلى انعكاس سريع في الاتجاهات الحالية.


