spot_img

ذات صلة

الذهب والمعادن النفيسة: صعود الملاذ الآمن وتأثير الفيدرالي

واصل الذهب مكاسبه القوية، مدعومًا بشكل أساسي بالطلب المتزايد على أصول الملاذ الآمن في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي التي تسود الأسواق العالمية. يترقب المستثمرون عن كثب بيانات الوظائف الأمريكية المرتقبة، والتي تُعد مؤشرًا حيويًا يمكن أن يقدم رؤى واضحة حول التوجهات المستقبلية للمجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) فيما يتعلق بسياسته النقدية وأسعار الفائدة.

لطالما عُرف الذهب عبر التاريخ كملاذ آمن ومخزن للقيمة، خاصة في أوقات الأزمات الاقتصادية والتقلبات الجيوسياسية. ففي ظل التضخم المتزايد أو المخاوف من الركود الاقتصادي، يتجه المستثمرون إلى الذهب للحفاظ على قيمة أصولهم، حيث يُنظر إليه كأصل ملموس لا يتأثر بشكل مباشر بتقلبات العملات أو سياسات البنوك المركزية بنفس القدر. هذا الدور التاريخي يعزز مكانته كأداة تحوط ضد المخاطر النظامية.

تؤثر سياسة أسعار الفائدة التي يتبعها الاحتياطي الفيدرالي بشكل مباشر على جاذبية الذهب. فعندما ترتفع أسعار الفائدة، تزداد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، وهو أصل لا يدر عائدًا، مما يجعله أقل جاذبية مقارنة بالسندات أو الودائع التي تقدم عوائد أعلى. وعلى العكس، فإن توقعات خفض الفائدة أو تثبيتها لفترة طويلة غالبًا ما تدعم أسعار الذهب. لهذا السبب، تُعد بيانات الوظائف الأمريكية، مثل تقرير الرواتب غير الزراعية ومعدل البطالة، حاسمة للغاية؛ فهي توفر مؤشرات قوية حول صحة الاقتصاد الأمريكي، وبالتالي تؤثر على قرارات الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة.

في هذا السياق، شهدت أسعار الذهب ارتفاعًا ملحوظًا، حيث صعد الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.8% ليصل إلى 4485.39 دولار للأوقية، وذلك بعد قفزة سابقة بلغت 3% تقريبًا في الجلسة الماضية. كما ارتفعت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم فبراير بنسبة 1% عند التسوية، مسجلة 4496.10 دولار. لم يقتصر هذا الارتفاع على الذهب فحسب، بل امتد ليشمل المعادن النفيسة الأخرى، مما يعكس اتجاهًا عامًا نحو الأصول الآمنة. فقد ارتفعت الفضة في المعاملات الفورية بنسبة 5.4% لتصل إلى 80.68 دولار للأوقية، بينما شهد البلاتين صعودًا بنسبة 7.2% ليبلغ 2435.20 دولار للأوقية. كما سجل البلاديوم ارتفاعًا بنسبة 5.9% ليصل إلى 1821.68 دولار للأوقية، مما يؤكد أن الطلب على الملاذات الآمنة يشمل سلة واسعة من المعادن الثمينة.

إن استمرار صعود الذهب والمعادن النفيسة الأخرى يشير إلى قلق متزايد بين المستثمرين بشأن الاستقرار الاقتصادي العالمي. هذا الاتجاه له تأثيرات متعددة؛ فهو يوفر فرصة للمستثمرين لتنويع محافظهم وحماية ثرواتهم من التضخم وتقلبات الأسواق. على الصعيد الدولي، يمكن أن يؤثر ارتفاع أسعار الذهب على احتياطيات البنوك المركزية وعلى تكلفة الاستيراد والتصدير للدول التي تعتمد على هذه المعادن في صناعاتها. في المستقبل القريب، ستظل عيون الأسواق متجهة نحو قرارات البنوك المركزية الكبرى، وخاصة الاحتياطي الفيدرالي، بالإضافة إلى التطورات الجيوسياسية التي قد تزيد أو تقلل من الحاجة إلى الملاذات الآمنة. يبقى الذهب مؤشرًا رئيسيًا على صحة الاقتصاد العالمي وثقة المستثمرين.

spot_imgspot_img