spot_img

ذات صلة

الذهب يتجاوز 5000 دولار: قفزة تاريخية وملاذ آمن عالمي

سجّل الذهب قفزة تاريخية غير مسبوقة، متجاوزاً حاجز 5000 دولار للأونصة (الأوقية) لأول مرة، ليؤكد مكانته كملاذ آمن مفضل في أوقات الاضطراب. يأتي هذا الارتفاع الصاروخي في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية، مما يدفع المستثمرين نحو الأصول الأكثر استقراراً وأماناً.

تاريخياً، لطالما كان الذهب ملاذاً آمناً للمستثمرين في مواجهة الأزمات الاقتصادية والسياسية. فمنذ آلاف السنين، يُنظر إلى المعدن الأصفر على أنه مخزن للقيمة ومتحوط ضد التضخم وتقلبات العملات. في أوقات عدم اليقين، مثل الأزمات المالية العالمية أو النزاعات الكبرى، يميل المستثمرون إلى تحويل رؤوس أموالهم إلى الذهب، مما يؤدي إلى ارتفاع سعره. هذه الظاهرة تتكرر اليوم مع تفاقم حالة عدم الاستقرار على الساحة الدولية.

وقد جاء هذا الارتفاع الأخير مدفوعاً بشكل خاص بتفاقم الخلافات بين الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) حول قضية غرينلاند، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية متزايدة. مثل هذه التوترات الجيوسياسية تخلق حالة من عدم اليقين في الأسواق المالية، مما يعزز جاذبية الذهب كأصل يمكن الاعتماد عليه للحفاظ على الثروة. هذا العامل، إلى جانب توقعات باستمرار حالة الضبابية المالية والجيوسياسية على المدى المنظور، يغذي التوقعات بمزيد من المكاسب للمعدن الثمين.

خلال عام 2025، شهد سعر المعدن الأصفر ارتفاعاً مذهلاً بنسبة 64%، مدعوماً بعدة عوامل رئيسية. أحد هذه العوامل هو توجهات السياسة النقدية الأمريكية نحو التيسير، حيث تميل أسعار الفائدة المنخفضة إلى تقليل تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، الذي لا يدر عائداً، مقارنة بالسندات والأصول الأخرى. هذا يجعل الذهب أكثر جاذبية للمستثمرين الباحثين عن عوائد في بيئة ذات أسعار فائدة منخفضة.

علاوة على ذلك، يلعب تنامي الطلب من البنوك المركزية دوراً حاسماً في دعم أسعار الذهب. تسعى البنوك المركزية حول العالم إلى تنويع احتياطاتها من العملات الأجنبية وتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي، مما يدفعها إلى زيادة حيازاتها من الذهب. على سبيل المثال، واصلت الصين، وهي من أكبر المشترين، شراء الذهب للشهر الرابع عشر على التوالي في ديسمبر، مما يعكس استراتيجية طويلة الأمد لتعزيز احتياطاتها. هذا الطلب المؤسسي القوي يضيف طبقة أخرى من الدعم لسوق الذهب.

كما شهدت صناديق الاستثمار المتداولة في الذهب (ETFs) تدفقات قياسية، مما يشير إلى اهتمام متزايد من قبل المستثمرين الأفراد والمؤسسات بالتعرض لسوق الذهب بطريقة سهلة وفعالة. هذه التدفقات تعكس الثقة المتزايدة في الذهب كأصل استثماري موثوق به في ظل الظروف الاقتصادية والجيوسياسية الحالية.

إن تجاوز الذهب لحاجز 5000 دولار للأونصة ليس مجرد رقم قياسي جديد، بل هو مؤشر على تحولات عميقة في الاقتصاد العالمي والمشهد الجيوسياسي. من المتوقع أن يستمر الذهب في لعب دور محوري كأداة للتحوط ضد المخاطر، مع تأثيرات محتملة على أسواق السلع العالمية، وسياسات البنوك المركزية، وحتى على القوة الشرائية للأفراد في مختلف أنحاء العالم. هذا الارتفاع يعكس قلقاً عالمياً متزايداً، ويؤكد على أهمية الذهب كمرساة للاستقرار في بحر من عدم اليقين.

spot_imgspot_img