شهدت أسعار الذهب في المعاملات الفورية قفزة تاريخية غير مسبوقة، متجاوزة حاجز 5500 دولار للأوقية الواحدة اليوم، في استمرار لارتفاعها الحاد مدفوعة بتزايد إقبال المستثمرين على أصول الملاذ الآمن. ولم يقتصر هذا الارتفاع على المعدن الأصفر، بل سجلت الفضة أيضًا مستويات قياسية جديدة، مما يعكس حالة من عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي تدفع رؤوس الأموال نحو الأصول الأكثر أمانًا.
وارتفع سعر الذهب بنسبة 2.9% ليصل إلى 5554.76 دولار للأوقية (الأونصة)، بعد أن لامس في وقت سابق من اليوم مستوى 5591.61 دولار. ويأتي هذا الصعود الصاروخي بعد أن كسر الذهب حاجز 5000 دولار للمرة الأولى يوم الإثنين الماضي، مسجلاً بذلك زيادة تتجاوز 500 دولار في غضون أربع جلسات تداول فقط، وهو ما يشير إلى زخم قوي وثقة متزايدة في قدرة الذهب على الاحتفاظ بقيمته.
لطالما اعتبر الذهب ملاذًا آمنًا تقليديًا للمستثمرين في أوقات الاضطرابات الاقتصادية والجيوسياسية. ففي ظل المخاوف المتزايدة بشأن التضخم، وتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة في مناطق مختلفة من العالم، يتجه المستثمرون إلى الذهب كوسيلة لحماية ثرواتهم من تقلبات الأسواق الأخرى. تاريخيًا، أثبت الذهب قدرته على الاحتفاظ بقيمته بل وزيادتها خلال الأزمات، كما حدث في الأزمة المالية العالمية عام 2008، أو خلال فترات عدم اليقين الاقتصادي التي أعقبت جائحة كوفيد-19، حيث شهدت أسعاره ارتفاعات ملحوظة.
هذا الارتفاع القياسي في أسعار الذهب له تداعيات واسعة النطاق. بالنسبة للمستثمرين، يشجع هذا الاتجاه على إعادة تقييم محافظهم الاستثمارية، وربما يزيد من تخصيصهم للمعدن الأصفر كجزء من استراتيجية تنويع المخاطر. أما على الصعيد الاقتصادي الأوسع، فيمكن أن يكون صعود الذهب مؤشرًا على تراجع الثقة في العملات الورقية الرئيسية أو في الأداء المستقبلي للاقتصاد العالمي. كما أن ارتفاع أسعار الذهب قد يؤثر على تكلفة السلع الفاخرة والمجوهرات، وقد يدفع شركات التعدين إلى زيادة استثماراتها في التنقيب والإنتاج، مما قد يخلق فرص عمل جديدة في هذا القطاع.
وفي سياق متصل، شهدت المعادن الثمينة الأخرى ارتفاعات ملحوظة أيضًا، مما يؤكد الاتجاه العام نحو الأصول الآمنة. فقد زادت الفضة بنسبة 1.5% لتصل إلى 118.36 دولار للأوقية، بعد أن سجلت أعلى مستوى لها على الإطلاق عند 119.34 دولار في وقت سابق. كما ارتفع البلاتين بنسبة 0.1% ليبلغ 2697.54 دولار للأوقية، بعد أن سجل مستوى قياسيًا عند 2918.80 دولار. وصعد البلاديوم بنسبة 0.5% ليصل إلى 2091.15 دولار للأوقية. هذه الارتفاعات المتزامنة تشير إلى أن الطلب على المعادن الثمينة ككل يتزايد، مدفوعًا بنفس العوامل التي تدعم صعود الذهب.
يتوقع المحللون أن يستمر الذهب في أداء قوي طالما استمرت حالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي. ومع ذلك، فإن عوامل مثل تغيرات أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية الكبرى، أو تحسن المؤشرات الاقتصادية العالمية، أو استقرار الأوضاع الجيوسياسية، يمكن أن تؤثر على مسار أسعار الذهب في المستقبل. يبقى الذهب مؤشرًا حيويًا على صحة الاقتصاد العالمي ومقياسًا لثقة المستثمرين في الأصول التقليدية.


