spot_img

ذات صلة

الذهب والفضة يسجلان أرقاماً قياسية وسط تصاعد التوترات العالمية

الذهب والفضة يحلقان لمستويات قياسية: التوترات الجيوسياسية تدفع المستثمرين للملاذات الآمنة

شهدت أسواق المعادن الثمينة قفزة تاريخية، حيث ارتفعت أسعار الذهب والفضة إلى مستويات قياسية غير مسبوقة. يأتي هذا الارتفاع المدفوع بشكل أساسي بتزايد إقبال المستثمرين على الأصول الآمنة، في ظل تصاعد حدة التوترات الجيوسياسية العالمية. وقد كان لتهديد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية إضافية على الدول الأوروبية، على خلفية النزاع حول جزيرة غرينلاند، دور محوري في تأجيج حالة عدم اليقين التي دفعت الأسعار نحو هذه المستويات القياسية.

الذهب كملاذ آمن: سياق تاريخي وجيوسياسي

لطالما اعتبر الذهب ملاذاً آمناً تقليدياً للمستثمرين في أوقات الأزمات الاقتصادية والسياسية. ففي ظل حالة عدم الاستقرار، يميل المستثمرون إلى تحويل رؤوس أموالهم من الأصول الأكثر خطورة مثل الأسهم والعملات إلى الذهب، الذي يحتفظ بقيمته بشكل أفضل ويعتبر تحوطاً ضد التضخم وتقلبات العملات. التاريخ مليء بالأمثلة التي تؤكد هذه العلاقة، فكلما زادت المخاطر الجيوسياسية أو الاقتصادية، ارتفع الطلب على المعدن الأصفر. هذه الظاهرة تعكس الثقة المتأصلة في الذهب كقيمة عالمية لا تتأثر بقرارات الحكومات أو سياسات البنوك المركزية بنفس القدر الذي تتأثر به الأصول الأخرى.

النزاع حول غرينلاند، الذي أشارت إليه الأنباء كأحد المحفزات، يعود إلى اهتمام الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب بشراء الجزيرة من الدنمارك. وعندما رفضت الدنمارك هذا الاقتراح بشكل قاطع، عبر ترامب عن غضبه وألغى زيارة رسمية للدنمارك، مهدداً بفرض رسوم جمركية إضافية على المنتجات الأوروبية. على الرغم من أن هذا التهديد لم يرتبط مباشرة بقضية غرينلاند نفسها كسبب اقتصادي، إلا أنه ساهم في خلق مناخ من التوتر الدبلوماسي والتجاري بين الولايات المتحدة وأوروبا، مما زاد من حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية وعزز الحاجة إلى الملاذات الآمنة.

تفاصيل الارتفاع القياسي في أسعار الذهب والفضة

خلال تداولات اليوم، سجلت العقود الآجلة للذهب تسليم شهر فبراير القادم ارتفاعاً ملحوظاً بنسبة 1.75%، أو ما يعادل 80.60 دولاراً، لتصل الأوقية إلى 4,676 دولاراً، بعد أن لامست في وقت سابق مستوى 4,698 دولاراً، وهو أعلى مستوى للعقود الآجلة الأكثر نشاطاً على الإطلاق. ولم يقتصر الارتفاع على الذهب، فقد قفزت العقود الآجلة للفضة تسليم مارس القادم بنسبة 5.3% لتسجل 93.24 دولاراً للأوقية، بعد أن وصلت إلى 94.365 دولاراً، مسجلة بذلك أعلى مستوى لها على الإطلاق. كما ارتفع سعر التسليم الفوري للذهب بنسبة 1.6% ليصل إلى 4,669.15 دولاراً للأوقية، بعد أن سجل مستوى قياسياً بلغ 4,689.39 دولاراً في وقت سابق من الجلسة. وأضاف نظيره للفضة نحو 3.5% عند 93.29 دولاراً للأوقية، بعد أن تجاوز 94 دولاراً.

تأثير الدولار والمعادن الأخرى

في المقابل، شهد مؤشر الدولار الأمريكي، الذي يقيس أداء العملة الأمريكية مقابل سلة من ست عملات رئيسية، تراجعاً بنسبة 0.25% ليصل إلى 99.16 نقطة. عادة ما يؤدي ضعف الدولار إلى جعل الذهب أقل تكلفة للمستثمرين الذين يحملون عملات أخرى، مما يزيد من جاذبيته ويدعم ارتفاع أسعاره. أما بالنسبة للمعادن الثمينة الأخرى، فقد أضافت الأسعار الفورية للبلاتين 0.3% لتصل إلى 2,347.89 دولاراً، بينما خسرت نظيرتها للبلاديوم نحو 0.5% لتتداول عند 1,794.3 دولاراً، مما يشير إلى أن الذهب والفضة كانا المحركين الرئيسيين لهذه الموجة الصعودية.

الآثار المتوقعة والآفاق المستقبلية

إن وصول أسعار الذهب إلى مستويات قياسية يحمل دلالات اقتصادية واسعة النطاق. على الصعيد العالمي، يعكس هذا الارتفاع قلقاً متزايداً بشأن الاستقرار الاقتصادي والسياسي، وقد يدفع البنوك المركزية إلى إعادة تقييم احتياطياتها من الذهب. بالنسبة للمستثمرين الأفراد والمؤسسات، يمثل الذهب فرصة للتحوط ضد التضخم وتقلبات الأسواق، ولكنه قد يشير أيضاً إلى مخاوف من تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي. محلياً وإقليمياً، يمكن أن يؤثر ارتفاع الذهب على قرارات الاستثمار والإنفاق، وقد يزيد من تكلفة المجوهرات والمنتجات التي يدخل الذهب في صناعتها. كما أنه يؤثر على الدول المنتجة للذهب، حيث يزيد من إيراداتها، وعلى الدول المستوردة حيث يزيد من أعبائها.

من المتوقع أن تستمر أسعار الذهب في التفاعل مع التطورات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية. فاستمرار التوترات التجارية والدبلوماسية، بالإضافة إلى المخاوف بشأن التضخم وسياسات البنوك المركزية المتعلقة بأسعار الفائدة، كلها عوامل يمكن أن تدعم استمرار الطلب على الذهب كملاذ آمن. كما أن أي تراجع في قيمة الدولار الأمريكي أو زيادة في مشتريات البنوك المركزية من الذهب يمكن أن يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى. ومع ذلك، فإن أي انفراج في الأوضاع الجيوسياسية أو تحسن في التوقعات الاقتصادية قد يؤدي إلى تراجع الطلب على الذهب.

spot_imgspot_img