لم تعد خريطة العالم تتشكل من رمال الشرق الأوسط أو غابات أوكرانيا فحسب، بل عادت الأضواء لتتجه نحو الجليد، في تحول جيوسياسي غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة. جزيرة غرينلاند، تلك المساحة البيضاء الشاسعة والهادئة في أقصى شمال المحيط الأطلسي، تحولت فجأة إلى نقطة محورية في صراع دولي محتدم. هذا التحول تصاعد بشكل لافت بعدما أعاد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب فتح ملف الاستحواذ عليها، مؤكداً أن الصين وروسيا تسعيان بقوة للوصول إليها، وأن واشنطن لن تسمح بذلك، مما أثار عاصفة دبلوماسية وسياسية عالمية.
الخلفية التاريخية وأهمية المناخ المتغير
غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، هي إقليم يتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك. لطالما امتلكت أهمية استراتيجية كامنة، خاصة خلال الحرب الباردة، حيث كانت بمثابة موقع حيوي لأنظمة الإنذار المبكر ومراقبة الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، بالإضافة إلى كونها نقطة ارتكاز محتملة للغواصات. قاعدة ثول الجوية الأمريكية، التي أنشئت عام 1951، خير دليل على هذا الدور التاريخي. لم يكن اهتمام الولايات المتحدة بغرينلاند وليد اللحظة؛ ففي عام 1946، عرض الرئيس الأمريكي هاري ترومان شراء الجزيرة من الدنمارك مقابل 100 مليون دولار، مما يؤكد النظرة الأمريكية طويلة الأمد لأهميتها.
لكن ما أعاد غرينلاند إلى واجهة الصراع العالمي هو التغير المناخي المتسارع. فذوبان الجليد القطبي يفتح ممرات بحرية جديدة لم تكن متاحة من قبل، مثل الممر الشمالي الشرقي والممر الشمالي الغربي. هذه الممرات تختصر زمن التجارة بين آسيا وأوروبا بنحو 40%، مما يعد بثورة في طرق الشحن العالمية ويقلل التكاليف بشكل كبير. بالإضافة إلى ذلك، يكشف ذوبان الجليد عن احتياطيات هائلة وغير مستغلة من الموارد الطبيعية، بما في ذلك النفط والغاز والمعادن النادرة واليورانيوم، مما يجعل الجزيرة كنزاً جيولوجياً واقتصادياً.
التحكم بالممرات البحرية وسباق القوى العظمى
تكمن الأهمية الجغرافية لغرينلاند في موقعها الفريد بين أمريكا الشمالية وأوراسيا، مما يمنح من يسيطر عليها قدرة غير مسبوقة على مراقبة الملاحة البحرية والجوية في القطب الشمالي. هذا الموقع الاستراتيجي هو ما يدفع القوى الكبرى للتنافس عليها.
روسيا، على سبيل المثال، أعلنت منذ سنوات استراتيجية متكاملة للقطب الشمالي، تهدف إلى تعزيز وجودها العسكري والاقتصادي في المنطقة. وقد أعادت موسكو بموجب هذه الاستراتيجية فتح قواعد عسكرية سوفيتية قديمة، ونشرت منظومات دفاع جوي متقدمة مثل S-400، وطورت أسطولاً من كاسحات الجليد النووية لا ينافسها فيه أحد، لضمان الملاحة على مدار العام في طريقها البحري الشمالي. هذه التحركات تهدف إلى تأمين حدودها الشمالية وتعزيز نفوذها في الممرات البحرية الجديدة.
أما الصين، التي تصف نفسها رسمياً بأنها «دولة قريبة من القطب الشمالي»، فقد استثمرت مليارات الدولارات في مشاريع بنى تحتية ومناجم في غرينلاند، خصوصاً في قطاع المعادن النادرة واليورانيوم. هذه الاستثمارات جزء من مبادرة «طريق الحرير القطبي» الأوسع نطاقاً، والتي تهدف إلى توسيع نفوذ بكين الاقتصادي والعلمي في المنطقة. وقد حاولت الصين في أكثر من مناسبة الدخول في شراكات لتطوير مطارات وموانئ في الجزيرة، قبل أن توقف الدنمارك هذه المشاريع تحت ضغط أمني أمريكي، خوفاً من تحولها إلى منصات ذات استخدام مزدوج (مدني وعسكري).
منصة استخباراتية وعسكرية ومخاوف الأمن القومي الأمريكي
من هذا المنطلق، يبدو منطق ترمب مختلفاً عما يصوره خصومه. فالرجل يرى أن ترك غرينلاند في منطقة رمادية، بلا مظلة أمنية أمريكية مباشرة، سيحولها إلى بوابة خلفية للصين وروسيا نحو خاصرة أمريكا الشمالية. قاعدة ثول الجوية، وهي آخر وجود عسكري أمريكي دائم في الجزيرة، تشكل عنصراً حيوياً في منظومة الإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية العابرة للقارات القادمة من روسيا. أي توسع صيني أو روسي، حتى لو كان مدنياً في الظاهر، قد يتحول بسرعة إلى منصة استخباراتية وعسكرية تهدد الأمن القومي الأمريكي بشكل مباشر.
المعادن النادرة والسيطرة الاقتصادية
تحتوي غرينلاند على احتياطيات ضخمة من العناصر الأرضية النادرة، وهي معادن حيوية تدخل في صناعة كل شيء، من الهواتف الذكية والسيارات الكهربائية إلى الصواريخ الفرط صوتية وتقنيات الطاقة المتجددة. تسيطر الصين حالياً على نحو 70% من هذه السوق عالمياً، مما يمنحها نفوذاً اقتصادياً وجيوسياسياً هائلاً. دخول الصين بقوة إلى غرينلاند يعني تعزيز هذه السيطرة، وربما خنق الصناعات الغربية التي تعتمد بشكل كبير على هذه المعادن في عقد واحد، مما يهدد سلاسل الإمداد العالمية والتفوق التكنولوجي الغربي.
زلزال سياسي في أوروبا وتصدع حلف الناتو
السؤال الأخطر ليس لماذا تريد أمريكا حماية غرينلاند، بل ماذا سيحصل إذا قررت واشنطن تنفيذ تهديداتها؟ بيان البيت الأبيض الأخير الذي لم يستبعد استخدام القوة العسكرية أحدث زلزالاً سياسياً في أوروبا. لأول مرة، يتحدث مسؤولون أوروبيون علناً عن أن أي تحرك عسكري أمريكي ضد جزء من مملكة الدنمارك قد يعني نهاية حلف شمال الأطلسي (الناتو). فالناتو ليس مجرد تحالف مصالح عابرة، بل منظومة ثقة وتضامن جماعي، وإذا انهارت هذه الثقة، فلن يبقى شيء يمنع أوروبا من البحث عن مظلة أمنية بديلة.
في محاولة لاحتواء تداعيات هذا التصعيد غير المسبوق، عُقد في البيت الأبيض اجتماع على مستوى وزراء خارجية الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند بحضور نائب الرئيس الأمريكي، في مسعى وُصف رسمياً بأنه يهدف إلى «تهدئة الأزمة» وإيجاد مسار دبلوماسي يلبّي مطالب واشنطن بفرض مزيد من السيطرة على غرينلاند. غير أن مجرد انعقاد الاجتماع يعكس حجم القلق داخل المعسكر الغربي من تحوّل تصريحات ترمب من مناورة سياسية إلى أزمة استراتيجية تهدد تماسك حلف شمال الأطلسي من الداخل، خصوصاً بعد أن رافق اللقاء إعلان وزير الدفاع الدنماركي تعزيز الوجود العسكري لبلاده في غرينلاند، والتشديد على مواصلة التنسيق مع حلف «الناتو»، في رد مباشر على تهديدات أمريكية بإهمال الدفاع عن الإقليم القطبي.
مرحلة فوضى استراتيجية شاملة
هنا نصل إلى لحظة ما قبل الحرب الكبرى؛ ليس بالضرورة حرب دبابات وجيوش تزحف، فهذا سيناريو مستبعد عسكرياً وسياسياً بين حلفاء، بل لأن مجرد طرحه يكسر المحرمات التي قام عليها النظام الغربي منذ عام 1945. نحن إذن على أعتاب مرحلة فوضى استراتيجية شاملة. ليست حرباً تقليدية، بل حرب تفكك تحالفات، وسباق تسلح محموم في القطب الشمالي، ومقاطعات اقتصادية، ورسوم انتقامية، وربما فرض خدمة عسكرية إلزامية في دول أوروبية لم تعرف ذلك منذ عقود.
خريطة العالم التي يرسمها هذا الصراع تقوم على فكرة واحدة بسيطة وقاسية: من يترك فراغاً جيوسياسياً سيدفع ثمنه لاحقاً ومضاعفاً. فالولايات المتحدة لا تريد غرينلاند لمجرد إضافة نجمة على العلم الأمريكي، بل لأنها تراها خط الدفاع الأول عن أمريكا في القرن الحادي والعشرين. الصين وروسيا لا تخفيان طموحاتهما في القطب الشمالي، لكنهما تعملان بأسلوب بطيء وزاحف، عبر الاستثمار والتكنولوجيا والبحث العلمي والموانئ والمطارات. ترمب بالمقابل يختصر الطريق، ويطرح الجواب بصيغته العارية: من يملك غرينلاند يملك مفاتيح القطب الشمالي.
المأزق أن هذه الصراحة الصادمة قد تكون بذاتها الشرارة التي تشعل أخطر أزمة بين ضفتي الأطلسي منذ الحرب العالمية الثانية. إذا فشل الطرفان في احتواء هذا الصدع، فلن يكون الصراع على جزيرة متجمدة، بل على شكل العالم كله في العقود القادمة، وعلى تحديد ملامح النظام الدولي الجديد.


