spot_img

ذات صلة

صراع جرينلاند: خطة ترمب تهدد الناتو والقطب الشمالي

كشفت صحيفة «ميل أون صنداي» عن خلافات حادة داخل الإدارة الأمريكية، بعد أن وجّه الرئيس دونالد ترمب أوامر مباشرة إلى قادة قوات العمليات الخاصة بإعداد خطة لغزو جزيرة جرينلاند. وُصفت هذه الخطوة بأنها غير مسبوقة، وأثارت معارضة قوية من كبار القادة العسكريين، وسط تحذيرات من تداعيات قد تصل إلى تفكك حلف شمال الأطلسي «الناتو».

تُعد جرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، إقليمًا يتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك، وتتمتع بموقع استراتيجي بالغ الأهمية في منطقة القطب الشمالي وشمال المحيط الأطلسي. لم تكن فكرة الاستحواذ الأمريكي على جرينلاند جديدة؛ فقد سبق للولايات المتحدة أن أبدت اهتمامًا بالجزيرة في مناسبات تاريخية سابقة. ففي عام 1867، طرح وزير الخارجية الأمريكي ويليام سيوارد فكرة شرائها، ثم تكرر الأمر في عام 1946 عندما عرض الرئيس هاري ترومان مبلغ 100 مليون دولار على الدنمارك لشرائها، وذلك لأهميتها الجيوسياسية والعسكرية المتزايدة بعد الحرب العالمية الثانية. وتستضيف الجزيرة بالفعل قاعدة ثول الجوية الأمريكية، وهي منشأة حيوية للدفاع الصاروخي والإنذار المبكر في القطب الشمالي.

تأتي هذه التطورات في سياق تصاعد التنافس الدولي على منطقة القطب الشمالي، التي تكتسب أهمية متزايدة بفعل التغيرات المناخية التي تفتح ممرات ملاحية جديدة وتكشف عن موارد طبيعية هائلة غير مستغلة، بما في ذلك المعادن النادرة والنفط والغاز. ترى واشنطن، وخصوصًا تيار “الصقور” داخل الإدارة، أن السيطرة على جرينلاند تمثل خطوة حاسمة لتعزيز النفوذ الأمريكي في المنطقة، ومواجهة التوسع الروسي والصيني المتزايد. فموسكو تعزز وجودها العسكري في القطب الشمالي، بينما تسعى بكين إلى ترسيخ نفوذها عبر مبادرات مثل “طريق الحرير القطبي”، مما يثير قلقًا أمريكيًا من فقدان التفوق الاستراتيجي.

وبحسب مصادر مطلعة، فإن تيار «الصقور» داخل الإدارة الأمريكية، بقيادة المستشار السياسي ستيفن ميلر، يرى أن الظروف الدولية مواتية للتحرك السريع نحو جرينلاند، مستندًا إلى ما يعتبره «نجاحًا» للتدخل الأمريكي الأخير في فنزويلا، ومحذرًا من أن التباطؤ قد يسمح لروسيا أو الصين بترسيخ نفوذهما في القطب الشمالي. هذا التوجه يعكس رؤية متشددة ترى في أي تأخير فرصة للخصوم لتعزيز مواقعهم في منطقة حيوية لمستقبل الأمن العالمي.

وكشفت المصادر أن ترمب كلّف قيادة العمليات الخاصة المشتركة (JSOC) بوضع سيناريو الغزو، إلا أن هيئة الأركان المشتركة أبدت رفضًا قاطعًا، معتبرة أن الخطة تفتقر إلى أي غطاء قانوني، ولن تحظى بموافقة الكونغرس، فضلًا عن مخاطرها السياسية والعسكرية الواسعة التي قد تزعزع الاستقرار الإقليمي والدولي.

ونقل مصدر مطلع أن القادة العسكريين يسعون لإبعاد ترمب عن هذا المسار، عبر طرح بدائل أقل حساسية، من بينها تشديد العمليات ضد «سفن الشبح» الروسية التي تستخدمها موسكو للالتفاف على العقوبات، أو حتى فتح جبهات عسكرية أخرى، مثل إيران، لصرف الانتباه عن ملف جرينلاند، في محاولة لاحتواء ما يعتبرونه قرارًا متهورًا.

ويرى دبلوماسيون بريطانيون أن تحركات ترمب لا تنفصل عن الحسابات الداخلية، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، واحتمال فقدان الجمهوريين للأغلبية في الكونغرس، معتبرين أن التصعيد الخارجي قد يُستخدم لتشتيت الرأي العام عن الضغوط الاقتصادية المتزايدة. وحذّر هؤلاء من أن أي خطوة عسكرية تجاه جرينلاند قد تضع ترمب في مواجهة مباشرة مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، وتُدخل العلاقات عبر الأطلسي في أخطر أزماتها منذ عقود، مهددة بتقويض التحالفات التاريخية.

وفي هذا السياق، أجرى دبلوماسيون غربيون محاكاة لما أسموه «سيناريو تصعيدي»، يفترض لجوء ترمب إلى القوة العسكرية أو الضغوط السياسية لفصل جرينلاند عن الدنمارك، وهو ما قد يشعل أزمة سيادية غير مسبوقة داخل الناتو. فالدنمارك عضو مؤسس في الحلف، وأي اعتداء على سيادتها، حتى لو كان غير مباشر، يُعد انتهاكًا صارخًا لمبادئ الناتو الأساسية، وخصوصًا المادة الخامسة التي تنص على الدفاع المشترك. وحذّرت برقية دبلوماسية من أن السيناريو الأسوأ قد يؤدي إلى «تفكيك حلف الناتو من الداخل»، مشيرة إلى أن بعض المسؤولين الأوروبيين يعتقدون أن هذا قد يكون الهدف الحقيقي للجناح المتشدد المحيط بترمب. وجاء في البرقية: «بما أن الكونغرس لن يوافق على انسحاب الولايات المتحدة من الناتو، فإن احتلال جرينلاند قد يدفع الدول الأوروبية إلى الانسحاب من الحلف، وإذا كان ترمب يسعى فعليًا لإنهاء الناتو، فقد تكون هذه الطريقة الأسهل».

في المقابل، تطرح الأوساط الدبلوماسية ما يُعرف بـ«سيناريو التسوية»، والذي قد توافق بموجبه الدنمارك على منح الولايات المتحدة وصولًا عسكريًا كاملًا إلى جرينلاند، مع حظر أي وجود روسي أو صيني، رغم أن واشنطن تمتلك بالفعل وجودًا عسكريًا واسعًا في الجزيرة. وترجّح البرقية أن يبدأ ترمب بخطاب تصعيدي مدفوع باعتبارات داخلية، قبل الانتقال لاحقًا إلى تسوية سياسية، في ظل تضاؤل هامش المناورة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، واحتمال تزامن أي تحرك مع قمة الناتو المقررة في 7 يوليو.

وفي تعليق لافت، قال مصدر دبلوماسي: «يرى الجنرالات أن خطة ترمب بشأن جرينلاند غير عقلانية وغير قانونية، لذلك يحاولون إشغاله بملفات عسكرية أخرى». هذا التوتر الداخلي يعكس عمق الأزمة التي أثارتها هذه الفكرة الجريئة، وتأثيرها المحتمل على السياسة الخارجية الأمريكية ومستقبل التحالفات الدولية.

spot_imgspot_img