spot_img

ذات صلة

تعزيز الوجود الأمريكي في غرينلاند: اتفاق دفاعي جديد

تتجه الإدارة الأمريكية نحو إعادة صياغة جوهرية للاتفاق الدفاعي القائم مع الدنمارك، بهدف إزالة القيود المفروضة على وجودها العسكري وعملياتها في غرينلاند. تأتي هذه الخطوة في صميم المفاوضات الجارية التي تهدف إلى تلبية مطلب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب بالسيطرة على الإقليم، وتعزيز النفوذ الأمريكي في منطقة القطب الشمالي ذات الأهمية الاستراتيجية المتزايدة.

خلفية تاريخية وأهمية غرينلاند الاستراتيجية

تتمتع غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، بموقع جغرافي فريد يمنحها أهمية استراتيجية قصوى، خاصة في سياق التنافس الجيوسياسي المتصاعد في القطب الشمالي. تاريخياً، لعبت غرينلاند دوراً محورياً في الدفاع الغربي، لا سيما خلال الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة. ففي عام 1941، أبرمت الولايات المتحدة اتفاقية مع الدنمارك سمحت لها بإنشاء قواعد عسكرية على الجزيرة، أبرزها قاعدة ثول الجوية، التي أصبحت حجر الزاوية في نظام الإنذار المبكر للدفاع الصاروخي الأمريكي ضد التهديدات السوفيتية آنذاك. هذه الاتفاقيات تطورت لتشمل الاتفاق الدفاعي لعام 1951، الذي تم تعديله في عام 2004، والذي ينص على ضرورة “التشاور والإخطار” مع الدنمارك وغرينلاند قبل إجراء أي تغييرات جوهرية في العمليات أو المنشآت العسكرية الأمريكية.

في عام 2019، أثارت تصريحات الرئيس ترمب حول رغبة الولايات المتحدة في شراء غرينلاند جدلاً دبلوماسياً واسعاً، وسلطت الضوء مجدداً على الأهمية الاستراتيجية للجزيرة. ورغم رفض الدنمارك القاطع لفكرة البيع، إلا أن الحادثة أكدت على أن غرينلاند لم تعد مجرد منطقة نائية، بل أصبحت نقطة محورية في حسابات القوى العظمى.

تعديلات مقترحة وصلاحيات عسكرية مطلقة

تسعى واشنطن حالياً لتعديل صياغة الاتفاق الدفاعي لضمان عدم مواجهة الولايات المتحدة لأي قيود على الإطلاق في خططها العسكرية المستقبلية في غرينلاند. وقد نقلت وكالة «بلومبيرغ» عن مصادر مطلعة أن المفاوضين الأمريكيين يهدفون إلى منح الولايات المتحدة حرية كاملة في اتخاذ القرارات العسكرية، دون الحاجة إلى موافقة مسبقة أو مشاورات مطولة مع الدنمارك أو حكومة غرينلاند المتمتعة بالحكم الذاتي. هذه التفاصيل لا تزال قيد التفاوض، لكن الرئيس ترمب كان قد صرح في وقت سابق بأن إطار الاتفاق سيكون “مفتوحاً إلى ما لا نهاية”، مما يعني عدم وجود سقف زمني للوجود أو العمليات الأمريكية.

وأضاف ترمب: “يمكننا أن نفعل ما نريد، يمكننا أن نقوم بخيارات عسكرية، ويمكننا أن نفعل أي شيء نريده”. وقد أشارت المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، إلى أن هذا الاتفاق، إذا ما تم التوصل إليه، سيحقق جميع الأهداف الاستراتيجية الأمريكية المتعلقة بغرينلاند “بتكلفة ضئيلة جداً وعلى نحو دائم”.

الأبعاد الجيوسياسية والتأثير المتوقع

إن توسيع الاتفاق الدفاعي مع الدنمارك بشأن غرينلاند يحمل أبعاداً جيوسياسية عميقة وتأثيرات محتملة على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي. فمن شأن التوصل إلى اتفاق نهائي أن يخفف من التوترات التي شهدها التحالف عبر الأطلسي بعد تصريحات ترمب السابقة، ويعزز دور حلف الناتو في القطب الشمالي. وقد يشمل الإطار الجديد للاتفاق نشر صواريخ أمريكية، ومنح حقوق تعدين بهدف إبعاد النفوذ الصيني المتزايد في المنطقة، وتعزيز الوجود العسكري لحلف الناتو في القطب الشمالي.

تزايد الاهتمام العالمي بالقطب الشمالي يعود إلى عدة عوامل، أبرزها التغير المناخي الذي يؤدي إلى ذوبان الجليد، مما يفتح ممرات ملاحية جديدة مثل الممر الشمالي الغربي والطريق البحري الشمالي، وييسر الوصول إلى احتياطيات هائلة من الموارد الطبيعية غير المستغلة، بما في ذلك النفط والغاز والمعادن النادرة. هذا الوضع أثار تنافساً بين القوى الكبرى، حيث تعزز روسيا وجودها العسكري والاقتصادي في المنطقة، وتسعى الصين إلى ترسيخ نفوذها عبر مبادرات مثل “طريق الحرير القطبي”.

بالنسبة للولايات المتحدة، يمثل تعزيز وجودها في غرينلاند خطوة حاسمة لضمان أمنها القومي، ومراقبة الأنشطة الروسية والصينية، والحفاظ على تفوقها الاستراتيجي في منطقة القطب الشمالي الحيوية. كما أن هذا التوسع يعكس تحولاً في السياسة الأمريكية، التي كانت قد قلصت وجودها في غرينلاند بشكل كبير منذ نهاية الحرب الباردة، حيث انخفض عدد القواعد العسكرية الأمريكية من نحو 17 قاعدة إلى قاعدة واحدة فقط.

موقف الدنمارك وغرينلاند

من جانبها، أبدت رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن انفتاح بلادها وغرينلاند على توسيع إضافي لاتفاق الدفاع لعام 1951 مع الولايات المتحدة. ومع ذلك، أكدت فريدريكسن على أن أي توسيع يجب أن يتم “بطريقة مناسبة ومحترمة”، مجددة موقفها بأن مسألة السيادة على غرينلاند “غير قابلة للتفاوض”. هذا الموقف يعكس حساسية قضية السيادة بالنسبة للدنمارك وغرينلاند، التي تتمتع بحكم ذاتي واسع وتطمح إلى مزيد من الاستقلال.

لم تطرح مسألة السيادة على الطاولة في المفاوضات الحالية، وهو ما يمثل اختراقاً واضحاً بعد أسابيع من التكهنات. ورغم أن الأمين العام للناتو، مارك روته، أشار إلى عدم مناقشة تفاصيل زيادة الوجود العسكري الأمريكي، إلا أن الحكومة الدنماركية أعلنت انفتاحها التام على مثل هذا السيناريو، مع التأكيد على أن التفاوض يتم عبر القنوات الرسمية بين الدول المعنية.

خاتمة

في الختام، تعكس مساعي واشنطن لتوسيع صلاحياتها العسكرية في غرينلاند تحولاً جيوسياسياً كبيراً، يؤكد على الأهمية المتزايدة للقطب الشمالي كساحة للتنافس الاستراتيجي. وبينما تظل السيادة الدنماركية على غرينلاند خطاً أحمر، فإن المفاوضات الجارية تسلط الضوء على ضرورة التكيف مع الحقائق الجيوسياسية الجديدة، وتوازن المصالح الأمنية والاقتصادية والسيادية في هذه المنطقة الحيوية من العالم.

spot_imgspot_img