في خطوة حاسمة لمواجهة تصاعد العنف والجريمة المنظمة، أعلن رئيس غواتيمالا، برناردو أرفالو، حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد لمدة ثلاثين يوماً. يأتي هذا الإجراء الاستثنائي بهدف تسخير «كامل قوة الدولة» لمواجهة العصابات الإجرامية التي تمكنت من السيطرة على ثلاثة سجون رئيسية، وشنت هجمات دامية ومنسقة استهدفت قوات الشرطة، مما يمثل تحدياً خطيراً لاستقرار البلاد وأمن مواطنيها.
جاء إعلان حالة الطوارئ بعد يوم واحد من سلسلة تمردات منسقة وغير مسبوقة داخل السجون، والتي أسفرت عن احتجاز 46 رهينة من الحراس والموظفين. وتلا ذلك هجمات انتقامية وحشية أودت بحياة عشرة من أفراد الشرطة وأصابت عشرة آخرين، مما عكس مستوى التنظيم والجرأة لدى هذه الجماعات الإجرامية. أكد الرئيس أرفالو في خطاب متلفز أن الهدف الأساسي من هذا الإجراء هو ضمان حماية المواطنين واستعادة السيطرة الكاملة على الوضع الأمني، مشيراً إلى أن العصابات، وعلى رأسها عصابة باريو 18 سيئة السمعة، تحاول «ترهيب الشعب» وتقويض الجهود الحكومية الرامية لمكافحة الجريمة المنظمة التي طال أمدها.
السياق التاريخي لتحديات غواتيمالا الأمنية
تاريخياً، تعاني غواتيمالا، شأنها شأن العديد من دول أمريكا الوسطى، من تفشي ظاهرة عنف العصابات والجريمة المنظمة التي تتغلغل في نسيج المجتمع وتؤثر بشكل كبير على مؤسسات الدولة. عصابتا «باريو 18» و«مارا سالفاتروتشا» (MS-13) هما من بين الأكثر نفوذاً ووحشية في المنطقة، وتتورطان في أنشطة إجرامية واسعة النطاق تشمل الابتزاز، وتهريب المخدرات، والاتجار بالبشر، والقتل. لطالما كانت السجون في غواتيمالا، وفي المنطقة عموماً، نقاط ضعف رئيسية، حيث تتحول في كثير من الأحيان إلى مراكز عمليات للعصابات، تدير منها أنشطتها الإجرامية وتخطط لعملياتها خارج الأسوار، مستغلة ضعف الرقابة والفساد المستشري. يمثل هذا التحدي الأمني إرثاً ثقيلاً للحكومات المتعاقبة، وقد تعهد الرئيس أرفالو، الذي وصل إلى السلطة على أساس برنامج مكافحة الفساد والجريمة، بمواجهة هذه التحديات بحزم.
إجراءات طارئة لمواجهة العنف واستعادة السيطرة
وقد تم نشر مرسوم حالة الطوارئ في الجريدة الرسمية للبلاد، وحظي بموافقة البرلمان بأغلبية ساحقة، مما يمنح الشرطة والجيش صلاحيات واسعة. تسمح هذه الحالة الاستثنائية للسلطات بإجراء اعتقالات دون أمر قضائي، وتعليق حرية التجمع، وفرض قيود على حركة المركبات، فضلاً عن انتشار أمني مكثف في العاصمة وضواحيها والمناطق المتضررة. أثار هذا الحدث موجة من الحزن الوطني، حيث حضر الرئيس أرفالو جنازات بعض الضباط القتلى، مؤكداً موقف الدولة الحازم بأنها «لن تتفاوض مع الإرهابيين أو الجريمة المنظمة». يُعتقد أن هذه التمردات والهجمات كانت رد فعل مباشر على سحب امتيازات كانت ممنوحة لقادة العصابات داخل السجون، في محاولة من الحكومة لفرض سيطرتها واستعادة هيبة القانون.
تداعيات الحدث: الأهمية والتأثير المتوقع
تداعيات هذا التصعيد الأمني تتجاوز الحدود المحلية لغواتيمالا. فعلى الصعيد المحلي، تهدد هذه الأحداث بتقويض ثقة المواطنين في قدرة الدولة على توفير الأمن، وقد تؤدي إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. كما أن استخدام القوة المفرطة أو انتهاك حقوق الإنسان تحت غطاء حالة الطوارئ قد يثير انتقادات دولية. إقليمياً، يمكن أن يكون لضعف السيطرة على العصابات في غواتيمالا تأثيرات سلبية على دول الجوار، حيث تتشارك هذه الجماعات في شبكات الجريمة العابرة للحدود، مما يزيد من تحديات مكافحة المخدرات والهجرة غير الشرعية في أمريكا الوسطى. دولياً، قد يؤثر هذا الوضع على الاستثمار الأجنبي المباشر والسياحة، ويضع ضغوطاً على المجتمع الدولي لتقديم الدعم لغواتيمالا في جهودها لتعزيز سيادة القانون ومكافحة الجريمة المنظمة، مع التأكيد على ضرورة احترام حقوق الإنسان في جميع الإجراءات المتخذة.
إن إعلان حالة الطوارئ في غواتيمالا يمثل لحظة فارقة في صراع البلاد المستمر ضد الجريمة المنظمة. وبينما تسعى الحكومة لاستعادة النظام والأمن، فإن التحدي الحقيقي يكمن في معالجة الأسباب الجذرية للعنف، بما في ذلك الفقر والفساد وضعف المؤسسات، لضمان استقرار دائم ومستقبل أكثر أماناً لجميع الغواتيماليين.


