في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، كشفت تقارير حديثة نشرتها صحيفة «فايننشال تايمز» أن دول الخليج العربي تتجه بجدية نحو إعادة تقييم خططها الاستراتيجية. الهدف الأبرز لهذه التحركات هو إنشاء خطوط أنابيب الطاقة الجديدة لتقليل الاعتماد المفرط على مضيق هرمز، وذلك وسط مخاوف متزايدة من تهديدات أمنية محتملة قد تعيق حركة الملاحة البحرية. وأوضح مسؤولون وتنفيذيون بارزون في قطاع الطاقة أن هذا التوجه قد يكون السبيل الوحيد والمضمون لخفض ارتهان دول الخليج للمضيق وتفادي أي اضطرابات مستقبلية، على الرغم من أن هذه المشاريع العملاقة تتسم بارتفاع تكلفتها المادية وتعقيداتها السياسية، فضلاً عن حاجتها إلى سنوات طويلة لإنجازها وتفعيلها بالكامل.
الجذور التاريخية لأزمة المضيق والبحث عن بدائل
يُعد مضيق هرمز واحداً من أهم الممرات المائية في العالم، حيث يمر عبره نحو خُمس استهلاك العالم من النفط يومياً. تاريخياً، لم تكن المخاوف المتعلقة بإغلاق المضيق وليدة اللحظة؛ بل تعود جذورها إلى ثمانينيات القرن الماضي خلال «حرب الناقلات» التي نشبت إبان الحرب العراقية الإيرانية. في تلك الحقبة، أدركت دول المنطقة الخطر الوجودي الذي يهدد صادراتها النفطية إذا ما تم إغلاق هذا الشريان الحيوي. هذا الإدراك المبكر دفع بعض الدول إلى التفكير خارج الصندوق والبحث عن مسارات بديلة آمنة تضمن استمرار تدفق الذهب الأسود إلى الأسواق العالمية دون انقطاع، مما جعل فكرة تجاوز المضيق حاضرة دائماً في العقل الاستراتيجي الخليجي.
خطوط أنابيب الطاقة: «شرق – غرب» كنموذج للنجاح
في سياق البحث عن حلول، تبرز خطوط أنابيب الطاقة كخيار استراتيجي لا غنى عنه. وقد وصف أحد كبار التنفيذيين في قطاع الطاقة الخليجي خط الأنابيب السعودي «شرق – غرب» بأنه «ضربة عبقرية» بالنظر إلى الماضي. سلطت التوترات الحالية الضوء مجدداً على الأهمية الاستراتيجية البالغة لهذا الخط الذي يمتد لمسافة 1200 كيلومتر. أُنشئ هذا المشروع الرائد في الثمانينيات كاستجابة مباشرة لمخاوف إغلاق المضيق، ويُعد اليوم شرياناً حيوياً ينقل نحو 7 ملايين برميل يومياً من حقول المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر، متجاوزاً مضيق هرمز بالكامل. وفي هذا الصدد، أكد أمين الناصر، الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية، في تصريحات حديثة للمحللين، أن خط «شرق – غرب» يمثل المسار الرئيسي الذي تعتمد عليه الشركة حالياً لضمان استقرار الإمدادات.
التأثيرات المتوقعة محلياً وإقليمياً ودولياً
إن التوجه نحو بناء شبكات جديدة لنقل النفط والغاز يحمل في طياته تأثيرات عميقة على مستويات عدة. محلياً، سيعزز هذا التوجه من الأمن الاقتصادي لدول الخليج، ويحمي ميزانياتها من الصدمات الناتجة عن أي توقف مفاجئ للصادرات. إقليمياً، سيؤدي تنويع مسارات التصدير إلى إعادة رسم خريطة النفوذ الجيوسياسي في الشرق الأوسط، مما يقلل من أوراق الضغط التي قد تستخدمها بعض الأطراف الإقليمية للسيطرة على حركة الملاحة. أما على الصعيد الدولي، فإن نجاح هذه المشاريع سيبعث برسالة طمأنة قوية للأسواق العالمية، مما يساهم في استقرار أسعار الطاقة وتأمين إمدادات موثوقة للدول الصناعية الكبرى التي تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج.
نحو ممرات تجارية شاملة تتجاوز النفط
رغم أن الخطط السابقة لإنشاء شبكات أنابيب إقليمية قد تعثرت مراراً بسبب التكاليف الباهظة والتعقيدات اللوجستية، إلا أن الخبراء يرون تغيراً ملموساً في الإرادة السياسية. أشارت ميسون كفافي، المستشارة البارزة لبرامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي، إلى أن المزاج العام في الخليج قد تغيّر بشكل جذري. وقالت: «أشعر بوجود تحول من مجرد سيناريوهات افتراضية إلى واقع عملي، الجميع ينظر إلى الخارطة نفسها ويصل إلى الاستنتاجات ذاتها». وأضافت أن الخيار الأكثر مرونة واستدامة قد لا يكون خط أنابيب واحد، بل شبكة متكاملة من الممرات. وعلى المدى الطويل، من المرجح أن تتطور هذه البنية التحتية لتصبح جزءاً من ممرات تجارية أوسع، تُنقل عبرها سلع متعددة، لتشكل نهضة اقتصادية شاملة تتجاوز مجرد نقل النفط والغاز.


