
فقدت الساحة الفنية السعودية واحداً من أبرز أعمدتها برحيل الفنان القدير حمد المزيني، الذي يعد أحد نجوم الزمن الذهبي للكوميديا والدراما في المملكة. لم يكن المزيني مجرد ممثل عابر، بل كان جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة المشاهد السعودي، حيث قدم خلال مسيرته الحافلة العديد من الأعمال التلفزيونية الخالدة، مثل: "طاش ما طاش"، و"العاصوف"، و"شباب البومب"، و"عائلة أبو رويشد"، و"الدنيا دروب"، و"غشمشم"، و"الضيف الغريب"، و"كلنا عيال قريّة".
من التعليم إلى ريادة الفن: سياق تاريخي
بدأ حمد المزيني مساره المهني معلماً في الفصول الدراسية، قبل أن يقوده شغفه الجارف إلى ميادين الفن الرحبة. كانت تلك النقلة في منتصف السبعينيات تمثل تحدياً كبيراً في ظل الظروف الاجتماعية آنذاك، إلا أن المزيني كان مؤمناً برسالته. بزغ اسمه ضمن الرعيل الأول الذي أسهم في وضع اللبنات الأولى للدراما السعودية، في وقت كان فيه الإنتاج التلفزيوني المحلي يخطو خطواته الأولى نحو التأسيس. امتدت مسيرته لنحو خمسة عقود من العطاء الفني الغني والمتنوع، قدم خلالها نحو 92 عملاً بين مسلسلات ومسرحيات وأفلام، تركت بصمة واضحة في الدراما السعودية والخليجية، وساهمت في تشكيل الهوية الفنية للمملكة.
أيقونة الدراما وتأثيرها المجتمعي
شارك المزيني في أعمال شكلت وجدان المجتمع السعودي، مثل مسلسل "نساء من زجاج"، و"عقاب"، و"من الآخر"، و"اللي اخذته المدينة"، و"رفاقة درب"، و"الأمل المفقود"، و"سكتم بكتم"، والعمل الكلاسيكي "حمود ومحيميد". تكمن أهمية هذه الأعمال في أنها ناقشت قضايا المجتمع السعودي بأسلوب يجمع بين النقد البناء والكوميديا الهادفة، وكان للمزيني دور محوري في إيصال هذه الرسائل بفضل أدائه العفوي والقريب من القلب.
جوانب خفية: السينما والشعر
ولا يعلم العديد من الجماهير أن الفنان المزيني كان سباقاً في المشاركة في السينما السعودية حتى قبل نهضتها الحديثة، حيث قدم أفلاماً في فترات مختلفة من أبرزها "حنين"، و"هدى"، و"شرابيك"، و"حكم نهائي"، و"أيام العسل"، و"راعي الأجرب". وإلى جانب التمثيل، امتلك المزيني موهبة شعرية لافتة لا يعرفها الكثير من متابعيه، فجمع بين الكتابة الشعرية والعمل الفني، مما أضفى على شخصيته عمقاً ثقافياً وأدبياً، وكان بحق من رواد البهجة على الشاشة السعودية.
رحيل قامة فنية
جمع الفنان حمد المزيني بين الأداء الفني المتقن والتراث الشعبي الأصيل، مما جعله من الفنانين القلائل الذين استطاعوا أن يمسّوا وجدان المجتمع بمختلف شرائحه. وُلد المزيني عام 1945 في مدينة عنيزة بمنطقة القصيم، وتوفي عن عمر ناهز الثمانين عاماً بعد مسيرة فنية حافلة، تاركاً خلفه إرثاً فنياً سيظل مرجعاً للأجيال القادمة في تاريخ الدراما السعودية.


