في تحليل عميق يتجاوز السائد، يطرح الباحث الفلسفي الدكتور هاني نسيرة رؤيته حول طبيعة الهوية ومكانة الدولة في الوعي العربي، مؤكداً أن مفهوم الدولة في التراث العربي ليس عميقاً بالقدر الذي قد يُتصور. تأتي هذه الرؤية ضمن أطروحاته في كتابه الأخير «ألغام الهويات»، حيث يسعى نسيرة، المعروف بقربه من المجتمعات وقراءته للواقع، إلى تفكيك الأفكار وتقديم أسئلة جوهرية دون السعي لإجابات قطعية. يرى نسيرة أن الهوية ليست كياناً جوهرياً ثابتاً، بل هي صورة تتشكل في مرآة الآخرين، تمثل تحدياً واستجابة وصراعاً مستمراً، وتتسم بالتعقيد والتعددية في أبعادها ومكوناتها.
جذور الهوية وتطور مفهوم الدولة في الفكر العربي
لطالما كانت الهوية في الفكر العربي والإسلامي تتسم بتعقيد فريد، حيث تداخلت فيها أبعاد دينية وثقافية واجتماعية قبل ظهور مفهوم الدولة الوطنية الحديثة. ففي حين كانت المجتمعات الغربية تشهد صعود الدولة القومية بعد صراعات طويلة، ظل الفضاء العربي والإسلامي محكوماً بمفاهيم أوسع مثل الخلافة أو الإمبراطورية، التي لم تكن ترتبط بحدود جغرافية ثابتة أو هوية وطنية بالمعنى المعاصر. فمنذ القرن الثاني الهجري، ترسخت فكرة الخلافة والوحدة الدينية كإطار جامع، متجاوزةً الحدود الجغرافية التي قد تحددها الدولة الحديثة. هذا السياق التاريخي أدى إلى أن تظل الهويات القديمة والأكثر شعورية وعاطفية، مثل الهوية العربية والدينية والطائفية، مهيمنة على الوعي الجمعي، مما أثر على ترسيخ مفهوم الدولة في التراث العربي ككيان سياسي مستقل وذي سيادة.
يشير الدكتور نسيرة إلى أن مفهوم الوطن ككيان سياسي والدولة الوطنية لم يظهر بشكل واضح في تراثنا إلا في القرن التاسع عشر، متأخراً بذلك عن نظيره الغربي. هذا التأخر جعل هذه المفاهيم تبدو وكأنها “صنيعة استعمارية” في أذهان البعض، مما أضعف من قدرتها على التجذر العميق في الوعي الشعبي. ففي أوقات الأزمات أو التحديات الإقليمية والدولية، غالباً ما تتصاعد الهويات الوطنية، لكنها سرعان ما تتراجع أمام الولاءات الأقدم والأكثر رسوخاً، مما يعكس هشاشة البنية الفكرية لمفهوم الدولة الحديثة في المنطقة.
تحديات الدولة الوطنية في العالم العربي
تتجلى تحديات الدولة الوطنية في العالم العربي بوضوح في الدول الفاشلة أو التي تعاني من صراعات داخلية، حيث تتضخم الهويات الفرعية أو “الصغرى” (الطائفية، العرقية، القبلية) على حساب الهوية الكلية أو “الكبرى” (الوطنية). هذا التضخم يهدد تماسك الدولة ويفكك نسيجها الاجتماعي. يرى نسيرة أن الحل يكمن في تبني منظور شامل يقوم على التنوع والمواطنة والمساواة والعدالة، كاستراتيجية لرفض التمييز والتصغير للهويات الفرعية. فالدولة الحديثة، في جوهرها، يجب أن تكون تجسيداً للعقلانية والحكمة في إدارة المؤسسات والمجتمعات، وهدفها الأسمى تحقيق الاستقرار والرفاهية لمواطنيها.
رؤية نسيرة لمستقبل الدولة والهوية
لتحقيق هذه الغاية، يؤكد نسيرة على ضرورة تمكين المؤسسات، وتطبيق العدالة والتسامح، وتعزيز الثقافة الحضارية، ورفع شأن الهوية الوطنية داخلياً وخارجياً. كما يدعو إلى تحفيز المواطنين على الإبداع والابتكار، وغرس الانتماء الوطني من خلال شعورهم بالمواطنة الكاملة، بعيداً عن التعصب والإقصاء والتهميش. إن تجسير الفجوة بين المواطنين والعالم الخارجي، وجعل الدولة فاعلة في الحضارة والتنافس العالمي، يتطلب حماية المواطنين والدفاع عنهم ضد أي تهديدات داخلية أو خارجية، وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا بدولة قوية ومؤسسات راسخة.
دور التراث في تشكيل الهوية وتحديات العصر الرقمي
يعد التراث مكوناً أساسياً للهويات الثقافية والحضارية والدينية، وهو ما يفسر احتفاء الهويات الفرعونية في مصر، أو الهويات العربية الإسلامية في مناطق أخرى، برموزها ومقدساتها ورفضها للآخر. لكن نسيرة يطرح سؤالاً جوهرياً حول “عروبة” هذا التراث، مشيراً إلى أن العديد من مدونيه لم يكونوا عرباً في أصولهم، مثل سيبويه وابن المقفع وابن سينا وابن مسكويه. هذا التنوع في مصادر التراث يفرض إعادة تقييم لمفهوم الهوية الضيقة، ويؤكد على ضرورة الانفتاح على التعددية.
في سياق متصل، يرى نسيرة أن نشأة جماعات الإسلام السياسي، مثل جماعة الإخوان المسلمين عام 1928، جاءت كرد فعل على سقوط الخلافة العثمانية ومحاولة لإعادة توظيف الدين في الحكم. هذه الجماعات، التي نجحت في توظيف الوجدان الديني والشعبي، اصطدمت لاحقاً بالتيارات القومية والناصرية والبعثية. ومع فشل الأنظمة القومية في صعودها مجدداً، استمر الصراع على الإسلام وتصوراته، مما أدى إلى فصل التاريخي المتغير عن العقدي الثابت، وتحديد الثابت والمتغير في تصور الدين وعلاقته بالسلطة والمجتمع.
نحو بناء الثقة ودعم الفكر المستنير
في عصر الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، يرى نسيرة أن هذه الثورة تمهد لتراجع الأصوليات والإيديولوجيات الحتمية التي عرفها القرن العشرين. ومع ذلك، فإنها لا تميتها، بل تساهم في انتشار النقد والتقاطب، وتوفر مساحات للتعبير والتجديد. إن استعادة الثقة بين النخب المثقفة والحكومات أمر ضروري، خاصة في ظل التحديات الوطنية والإقليمية والعالمية المتغيرة. فالعلاقة الوثيقة بين المثقف والمبدع من جهة، والأمير أو الحاكم من جهة أخرى، كانت موجودة في تراثنا وفي عصر النهضة الأوروبية، وهي علاقة يجب تحريرها من الاحتكار وتحويلها إلى رعاية موضوعية ومعيارية مستمرة.
يختتم نسيرة بالتأكيد على أن الفلسفة هي السؤال، وأن المفكرين لا يمتلكون الحقيقة المطلقة، بل يقدمون مقولاتهم وأفكارهم كحقائق نسبية قابلة للنقاش والنقد. ومن يزعم امتلاك الحقيقة المطلقة فهو “مدعي نبوة أو قداسة أو كاهن فاسد”. يحق للجميع نقد المفكرين والفلاسفة، شريطة أن يكون ذلك وفق شروط الحرية والموضوعية والمنطق والاحترام، مما يفتح الباب أمام حوار بناء يسهم في تعميق الوعي وتطوير مفهوم الدولة في التراث العربي ليصبح أكثر رسوخاً وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.


