الحكومة السورية تباشر التحقيق في تقارير “مجازر” بالحسكة وتنتشر أمنياً في الرقة بعد اتفاق مع “قسد”
أعلنت وزارة الداخلية السورية، فجر اليوم (الاثنين)، عن تلقيها تقارير أولية حول وقوع أحداث وصفت بـ«مجازر» مروعة في محافظة الحسكة، الواقعة شمال شرقي البلاد. هذه التقارير، التي لم تتضح تفاصيلها بعد، أثارت قلقاً واسعاً ودعت الوزارة إلى تحرك عاجل.
وأوضحت الوزارة، في بيان رسمي نُشر عبر منصاتها الإعلامية، أنها تتابع هذه التقارير “باهتمام وجدية بالغة”، مؤكدة أن الجهات المختصة قد باشرت فوراً إجراءات التحقيق الميداني والقانوني اللازمة للتحقق من صحة المعلومات الواردة وتحديد المسؤولين عنها. ويأتي هذا التحرك في ظل دعوات متزايدة للشفافية والمساءلة في المناطق التي شهدت نزاعات مسلحة.
تحركات أمنية مكثفة في الرقة وتأمين المناطق المحررة
في سياق متصل، بدأت وحدات من وزارة الداخلية السورية بالدخول إلى مدينة الرقة، التي كانت في السابق معقلاً لتنظيمات متطرفة، تمهيداً لتنفيذ انتشار أمني منظم في مختلف أحيائها. تهدف هذه الخطة إلى تعزيز الأمن والاستقرار في المدينة، وحماية المواطنين والممتلكات العامة والخاصة، وإعادة الحياة الطبيعية تدريجياً بعد سنوات من الصراع والدمار.
وفي تدوينة عبر منصة «إكس»، أكد وزير الداخلية أنس خطاب أن القوات الأمنية انتشرت “بكفاءة ومهنية عالية” في المناطق الجديدة التي دخلها الجيش السوري مؤخراً. وأشار الوزير إلى أن هذا الانتشار يأتي في إطار المهام الأساسية للوزارة الرامية إلى تأمين الأهالي، وفرض الاستقرار، وحفظ الأمن العام بما يضمن سلامة المواطنين واستمرار الحياة العامة والخدمات الأساسية.
اتفاق الحكومة السورية و”قسد”: نقطة تحول محتملة
تأتي هذه التطورات الأمنية المتسارعة عقب الإعلان عن توقيع اتفاق مبدئي بين الحكومة السورية وقوات سورية الديمقراطية «قسد»، وهي القوات الكردية التي تسيطر على مساحات واسعة من شمال وشرق سوريا. يتضمن الاتفاق، بحسب التقارير الأولية، وقفاً لإطلاق النار واندماجاً تدريجياً للقوات الكردية ضمن صفوف الجيش السوري. هذا الاتفاق يمثل تحولاً مهماً في ديناميكيات الصراع السوري، وقد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار أو تحديات جديدة في المنطقة.
السياق التاريخي والجغرافي: الحسكة والرقة في قلب الصراع السوري
لفهم أبعاد هذه الأحداث، لا بد من استعراض السياق العام للصراع السوري الذي دخل عامه الثالث عشر. محافظة الحسكة، الواقعة في أقصى الشمال الشرقي لسوريا، تعد منطقة استراتيجية غنية بالنفط والزراعة، وتتميز بتنوعها الديموغرافي الذي يضم العرب والأكراد والسريان. وقد شهدت الحسكة والرقة، على مدى سنوات، سيطرة متقلبة بين أطراف متعددة، بما في ذلك تنظيم داعش الإرهابي، والقوات الكردية المدعومة دولياً، والقوات الحكومية السورية. هذا التداخل في السيطرة والولاءات جعل المنطقة بؤرة للتوترات والصراعات المستمرة.
قوات سورية الديمقراطية (قسد) تشكلت في عام 2015 بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، ولعبت دوراً محورياً في دحر تنظيم داعش من مناطق واسعة، أبرزها الرقة التي كانت عاصمة التنظيم المزعومة. ومع تراجع نفوذ داعش، برزت تساؤلات حول مستقبل هذه القوات والمناطق التي تسيطر عليها، خاصة في ظل رفض الحكومة السورية لأي وجود عسكري غير تابع لها على أراضيها.
الأهمية والتأثيرات المتوقعة: محلياً، إقليمياً، ودولياً
على الصعيد المحلي: يمكن أن يمثل هذا الاتفاق، إذا ما تم تنفيذه بنجاح، خطوة نحو استعادة الدولة السورية لسيادتها الكاملة على مناطق الشمال الشرقي. بالنسبة للمواطنين، قد يعني ذلك عودة الخدمات الحكومية، وتحسين الوضع الأمني، وإنهاء حالة الفراغ الإداري. ومع ذلك، فإن تقارير “المجازر” في الحسكة تضع تحدياً كبيراً أمام مصداقية هذه التحركات، وتثير مخاوف بشأن العدالة والمساءلة عن الانتهاكات التي قد تكون وقعت. كما أن اندماج “قسد” في الجيش السوري يطرح تساؤلات حول مستقبل القوات الكردية وهويتها، وحول مدى قبول هذا الاندماج من قبل جميع الأطراف.
على الصعيد الإقليمي: قد يكون للاتفاق تداعيات مهمة على دول الجوار، خاصة تركيا التي تعتبر “قسد” امتداداً لحزب العمال الكردستاني وتصنفها منظمة إرهابية. أي تقارب بين دمشق و”قسد” قد يغير من حسابات تركيا في شمال سوريا. كما أن استقرار هذه المناطق قد يؤثر على تدفق اللاجئين ويعيد تشكيل خريطة النفوذ الإقليمي.
على الصعيد الدولي: يمثل هذا التطور تحدياً جديداً للقوى الدولية المنخرطة في الملف السوري، مثل الولايات المتحدة وروسيا وإيران. فبينما تسعى روسيا وإيران لدعم الحكومة السورية في استعادة سيطرتها، قد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام واقع جديد يتطلب إعادة تقييم استراتيجيتها في دعم “قسد”. إن نجاح هذا الاتفاق أو فشله سيحدد مسار الصراع السوري في المرحلة القادمة، وقد يؤثر على جهود التسوية السياسية الشاملة.
وأكدت وزارة الداخلية أن هذه الخطوات تندرج ضمن جهودها المستمرة لضبط الوضع الأمني في مختلف المدن والمناطق، والعمل على توفير بيئة آمنة ومستقرة لجميع المواطنين، في مسعى لإعادة بناء ما دمرته سنوات الحرب.


