
يستعيد السوق القديم في المنطقة المركزية بمدينة الطائف، المعروف محلياً بـ "سوق البلد"، حضوره القوي بوصفه أحد أهم المقاصد التجارية والسياحية في المملكة، مشكلاً قلباً نابضاً للحياة الاقتصادية والاجتماعية في "مدينة الورد". ويعد هذا السوق متنفساً رئيساً للأهالي والزوار الباحثين عن تجربة تسوق فريدة تمتزج فيها الأصالة بعبق التاريخ.
عمق تاريخي وبوابات تحكي قصص الماضي
لا يمكن الحديث عن سوق البلد دون التطرق إلى البعد التاريخي لمدينة الطائف، التي كانت عبر العصور محطة استراتيجية وبوابة شرقية لمكة المكرمة. ويشعر زائر السوق منذ لحظة دخوله أنه يعبر بوابة زمنية نحو الماضي، حيث تحيط به شواهد التاريخ من كل جانب. وتبرز في هذا السياق البوابات القديمة (الدروازات) التي ما زالت شامخة، مثل "باب الحزم"، و"باب الريع"، و"باب العباس". هذه البوابات ليست مجرد معالم معمارية، بل هي شواهد حية على حقبة كانت فيها الطائف مدينة مسورة، وتعكس فن العمارة التقليدية الحجازية التي تميزت بالمتانة والجمال الهندسي، مما يضفي على الجولة في السوق طابعاً ثقافياً عميقاً.
أجواء رمضانية واستعدادات مبكرة
مع اقتراب شهر رمضان المبارك وعيد الفطر، يكتسي سوق البلد حلة جديدة، حيث يشهد استعدادات مبكرة وتجهيزات مكثفة. وقد ازدانت الممرات بالزينة والإضاءات المعلقة (الفوانيس)، وتلونت الأرجاء بمظاهر الفرح، فيما تتعالى أصوات الباعة بأهازيج تراثية مألوفة، تستحضر في ذاكرة كبار السن صوراً من "الزمن الجميل" الذي لا يزال حياً في وجدان أهل الطائف، مما يجعل زيارة السوق في هذه الأوقات طقساً اجتماعياً لا غنى عنه.
تنوع تجاري يعكس الهوية المحلية
يمتد السوق عبر شبكة متداخلة من الأزقة والحارات التي تحتضن عشرات الدكاكين والبسطات الشعبية، مقدّماً تنوعاً واسعاً من السلع والمنتجات التقليدية. وتتصدر المشهد محلات العطارة وبائعي الورد الطائفي ودهنه المعروف عالمياً بجودته، إلى جانب السمن البري، والعسل، والإقط، والمنتجات الزراعية التي تشتهر بها المنطقة. كما تتجاور متاجر الملابس الرجالية والنسائية والأزياء الشعبية مع محلات الذهب والفضة والأحجار الكريمة، ومخابز تقليدية لا تزال تقدم خبز البر والدخن والشعير بالطرق المتوارثة.
مذاقات شعبية وتطوير حضري
لإضفاء بعد إنساني ووجداني لتجربة السوق، خصصت أمانة الطائف مساحات منظمة للبسطات الشعبية التي تقدم أكلات محلية متنوعة، مثل الكبدة والبليلة والحلوى الشعبية، بالإضافة إلى أقدم باعة الفول والهريسة والمطبق ورؤوس المندي. ويأتي هذا التنظيم ضمن مشروع شامل لإعادة تأهيل وسط المدينة، حيث عملت الأمانة بالتعاون مع ملاك العقارات على ترميم المباني التراثية المطلة على الساحات، والحفاظ على الهوية العمرانية، مما حول المنطقة إلى بيئة سياحية جاذبة تجمع بين عراقة الماضي وتنظيم الحاضر، وتساهم في تعزيز السياحة التراثية بما يتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة في الحفاظ على الموروث الثقافي.


