تعتبر مقبرة العود في العاصمة السعودية الرياض واحدة من أبرز المعالم التاريخية التي تختزل في ثراها فصولاً مجيدة من تاريخ المملكة العربية السعودية. تقع هذه المقبرة العريقة في قلب الرياض، وتحديداً في حي العود المحاذي لمنطقة الديرة وقصر الحكم، لتقف شاهداً صامتاً على مسيرة دولة امتدت لأكثر من قرن، محتضنةً رفات مؤسسها وملوكها وعلمائها، لتصبح بذلك سجلاً وطنياً مفتوحاً يروي قصص التأسيس والبناء.
تاريخ مقبرة العود وسبب التسمية
يعود تاريخ المقبرة إلى بدايات الدولة السعودية الثالثة، وقد اكتسبت اسمها "العود" وفقاً لعدة روايات تاريخية، أشهرها نسبة إلى المكان الذي كان يزرع فيه شجر العود، أو إشارة إلى "العود" وهو اللقب الذي كان يطلق تحبباً وتوقيراً على الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود في أواخر حياته. تمتد المقبرة على مساحة واسعة وتتميز بموقعها الجغرافي الاستراتيجي جنوب الرياض القديمة، مما جعلها المقبرة الرئيسية للعاصمة لفترات طويلة.
مثوى الملوك وصناع القرار
تكتسب مقبرة العود أهميتها القصوى من كونها تضم جثمان الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود (1876–1953)، موحد البلاد وباني نهضتها الحديثة. ولم تتوقف أهميتها عند هذا الحد، بل أصبحت المرقد الأخير لملوك المملكة الذين تعاقبوا على الحكم وواصلوا مسيرة التنمية، ومنهم:
- الملك سعود بن عبدالعزيز: الذي شهدت المملكة في عهده تأسيس الوزارات والتعليم النظامي.
- الملك فيصل بن عبدالعزيز: رائد التضامن الإسلامي وصاحب المواقف السياسية الخالدة.
- الملك خالد بن عبدالعزيز: الذي عاشت البلاد في عهده طفرة اقتصادية ورخاءً اجتماعياً غير مسبوق.
- الملك فهد بن عبدالعزيز: باني النهضة الحديثة وأول من اتخذ لقب خادم الحرمين الشريفين رسمياً.
- الملك عبدالله بن عبدالعزيز: الذي قاد برامج إصلاحية ومشاريع تنموية ضخمة (توفي عام 2015).
رمزية البساطة في الثقافة الإسلامية
على الرغم من أنها تضم رفات أقوى ملوك المنطقة وشخصياتها المؤثرة، إلا أن الزائر لمقبرة العود يدهشه مشهد البساطة المتناهية التي تغلف المكان. تلتزم المقبرة بشكل صارم بالتعاليم الإسلامية والمذهب السائد في المملكة الذي ينهى عن زخرفة القبور أو بناء الأضرحة والقباب. تتساوي القبور جميعها في الشكل، حيث لا يرتفع القبر عن الأرض إلا شبراً واحداً، ولا يميز قبر الملك عن المواطن العادي سوى علامات بسيطة للتعريف، في تجسيد عميق لقيم المساواة والتواضع أمام الله، وهي رسالة بليغة تعكس جوهر العقيدة الإسلامية.
شخصيات دينية واجتماعية بارزة
لا تقتصر المقبرة على الأسرة المالكة فحسب، بل تضم رفات نخبة من كبار العلماء الذين شكلوا المشهد الديني والقضائي في السعودية، مثل مفتي المملكة الأسبق الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبدالله بن حميد، بالإضافة إلى عدد من الأمراء والوزراء وأعيان مدينة الرياض. هذا التنوع يجعل من مقبرة العود ذاكرة حية للمجتمع السعودي بكافة أطيافه، ومزاراً يستحضر فيه السعوديون تاريخهم العريق، مترحمين على رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه وتركوا بصمات لا تمحى في وجدان الوطن.


