تحتل عمارة الحرمين الشريفين وخدمة قاصديهما مكانة مركزية في تاريخ الدولة السعودية، فهي قصة تمتد جذورها منذ قيام الدولة الأولى، وتتواصل فصولها اليوم في ظل مشاريع عملاقة ترسم ملامح مستقبل استثنائي لضيوف الرحمن. إن هذا الاهتمام ليس مجرد واجب سياسي، بل هو شرف ديني ومسؤولية تاريخية حملتها القيادة السعودية على عاتقها، لتترجمها إلى واقع ملموس من التوسعة والتطوير والارتقاء بالخدمات.
خلفية تاريخية: جذور الاهتمام منذ الدولة الأولى
بدأت رحلة العناية السعودية بالحرمين الشريفين بشكل منظم مع قيام الدولة السعودية الأولى. ففي عهد الإمام عبد العزيز بن محمد آل سعود وابنه الإمام سعود الكبير، لم تقتصر الجهود على الجانب العمراني فحسب، بل شملت إعادة تنظيم شؤون الحج وتأمين طرق قوافل الحجيج التي كانت تعاني من انعدام الأمن. تروي المصادر التاريخية كيف أن الإمام سعود الكبير عند دخوله مكة المكرمة عام 1218هـ، عمل على إرساء الأمن ومنع كل ما يعكر صفو الحج، مؤكداً على تطبيق مبادئ الشريعة. كما أولت الدولة الأولى اهتماماً كبيراً بـ “السقاية والرفادة”، وهي من أقدم الخدمات المقدمة للحجاج، وعملت على تطويرها، بالإضافة إلى كسوة الكعبة المشرفة بأفخر أنواع الحرير، وتوزيع الصدقات على المحتاجين من ضيوف الرحمن، لتؤسس بذلك نهجاً راسخاً في خدمة الحرمين.
عهد التأسيس الحديث: الملك عبد العزيز يضع حجر الأساس
مع توحيد المملكة العربية السعودية على يد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، دخلت خدمة الحرمين الشريفين مرحلة جديدة ومفصلية. ففور استعادته لمكة المكرمة، كانت أولويته القصوى هي العناية بالمسجد الحرام. حيث أمر بترميم شامل للمسجد، وإصلاح “شاذروان” الكعبة المشرفة، وتجديد ألوان الأعمدة، وترخيم الواجهات المطلة على الصحن. وللتخفيف على المصلين من حرارة الشمس، أمر بوضع سرادقات ومظلات في صحن المطاف، كما شملت إصلاحاته قبة زمزم ومقام إبراهيم، وهي أعمال وضعت حجر الأساس لمشاريع التوسعة التي ستتوالى في عهود أبنائه الملوك من بعده.
التوسعات الكبرى: نقلة نوعية في خدمة الملايين
شهدت العقود التالية توسعات تاريخية متلاحقة، لعل أبرزها التوسعة السعودية الأولى في عهد الملك سعود، ثم التوسعات في عهدي الملك فيصل والملك خالد. لكن التوسعة التي أحدثت نقلة نوعية كانت في عهد الملك فهد بن عبد العزيز -رحمه الله-، والتي ضاعفت مساحة المسجد الحرام عدة مرات، وأضافت ساحات خارجية واسعة ومرافق خدمية متكاملة، مما رفع الطاقة الاستيعابية بشكل غير مسبوق آنذاك. هذه المشاريع لم تكن مجرد زيادة في المساحة، بل كانت منظومة متكاملة من الخدمات تشمل التكييف والسلالم الكهربائية وأنظمة الصوت والإضاءة المتطورة.
العهد الزاهر: مشاريع عملاقة ورؤية مستقبلية
في العهد الزاهر لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، وصلت خدمة الحرمين إلى مستوى لم يشهده التاريخ. فالتوسعة السعودية الثالثة الحالية تعد الأضخم على الإطلاق، حيث تهدف إلى رفع الطاقة الاستيعابية للمسجد الحرام والمسجد النبوي لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الحجاج والمعتمرين، تماشياً مع مستهدفات رؤية المملكة 2030. تشمل هذه المشاريع توسعة صحن المطاف، وتطوير المسعى، وإنشاء مبانٍ ومرافق خدمية حديثة، وتوظيف أحدث التقنيات الذكية لإدارة الحشود وتسهيل حركة ضيوف الرحمن. وعلى الصعيد الإقليمي والدولي، تعزز هذه الجهود مكانة المملكة كقلب نابض للعالم الإسلامي، حيث يربط قطار الحرمين السريع بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، مقدماً وسيلة نقل آمنة وسريعة لملايين الزوار سنوياً، ومؤكداً على أن رحلة خدمة الحرمين هي مسيرة مستمرة من العطاء والتطوير.


