تُعد السلامة الكهربائية ركيزة أساسية للحفاظ على الأرواح والممتلكات في كل منزل ومنشأة. فمن وقت لآخر، تتكرر حوادث مؤلمة وخطيرة، تهدد الأرواح والممتلكات، وتتباين وتتنوع أسبابها بين الإهمال وسوء اختيار المنتجات الكهربائية. لقد كشفت تحقيقات عديدة، أن جزءاً كبيراً من حوادث حرائق المنازل والمنشآت يعود إلى استخدام أدوات كهربائية رديئة أو غير مطابقة للمواصفات، ويأتي اقتناؤها بسبب انجذاب البعض إلى الأسعار المنخفضة دون إدراك ووعي لحجم مخاطرها الكارثية.
الخطر الصامت: فهم سياق حوادث الكهرباء
إن حوادث الحرائق الناتجة عن خلل كهربائي ليست ظاهرة حديثة، بل هي مشكلة عالمية تتطلب يقظة مستمرة. فمع التطور التكنولوجي وزيادة الاعتماد على الأجهزة الكهربائية في حياتنا اليومية، تزايدت الحاجة إلى معايير صارمة للسلامة. تاريخياً، كانت الأنظمة الكهربائية البدائية تفتقر إلى العديد من ميزات الأمان التي نراها اليوم، مما أدى إلى حوادث متكررة. هذا الواقع دفع بالهيئات التنظيمية حول العالم، ومنها الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة (SASO)، إلى وضع وتحديث مواصفات قياسية تهدف إلى حماية المستهلكين. إن فهم هذا السياق التاريخي يبرز أهمية الالتزام بهذه المعايير اليوم، حيث أن أي تهاون قد يعيدنا إلى حقبة كانت فيها المنازل أقل أمانًا بكثير.
تؤكد الجهات الرقابية المختصة دائماً على أهمية اقتناء الأجهزة وتحديداً التوصيلات الكهربائية ذات الجودة العالية والمستوفية لمعايير السلامة العالمية والمحلية. فالأنواع الرديئة تعد سبباً مباشراً في وقوع حوادث خطيرة وجسيمة تلحق بالأفراد والممتلكات، وقد تتسبب في خسائر لا تعوض. إن تأثير هذه الحوادث لا يقتصر على الخسائر المادية فحسب، بل يمتد ليشمل الإصابات الخطيرة والوفيات، مما يجعلها قضية أمن مجتمعي تتطلب تضافر الجهود من الجميع.
كيف تميز الجودة: علامات تكشف التوصيلات الكهربائية الآمنة
لضمان سلامة منزلك وأحبائك، من الضروري أن تكون على دراية بالعلامات التي تميز التوصيلات الكهربائية الآمنة والمطابقة للمواصفات عن تلك الرديئة. لقد قدّمت «الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة» (SASO) ست علامات رئيسية تكشف التوصيلات الكهربائية الرديئة؛ وذلك تفادياً لوقوع كوارث الحريق والإصابات والفواجع. هذه العلامات تعد إعانة للمستهلك في معرفة التوصيلات المطابقة قبل الشراء، ومن أهمها:
- غوالق حماية الأطفال: وجود غوالق تمنع الأطفال من الوصول إلى الأجزاء المكهربة، مما يقلل من خطر الصدمات الكهربائية.
- الخط الأرضي: وجود خط أرضي للحماية من الالتماس الكهربائي، وهو مكون حيوي لتصريف أي تيار كهربائي زائد بأمان.
- مساحة مقطع السلك: يجب ألا تقل مساحة مقطع السلك عن 1.5 مم² إذا كان طوله خمسة أمتار وأقل. أما إذا كان أطول من ذلك، فيجب ألا تقل مساحة مقطعه عن 2.5 مم² لضمان قدرته على تحمل التيار دون ارتفاع درجة حرارته.
- قاطع الحماية: وجود قاطع للحماية في التوصيلات التي تحتوي على أربعة مخارج أو أكثر، والذي يفصل التيار تلقائياً عند حدوث حمل زائد.
- الفيوز (المصهر): وجود الفيوز في قابس التوصيلة لفصل الكهرباء عن التوصيلة في حالة التيار الزائد، مما يحمي الأجهزة والتوصيلة نفسها من التلف.
- مفاتيح التشغيل: وجود مفاتيح مناسبة للتشغيل والإيقاف لكل مخرج أو للتوصيلة ككل، مع مؤشر ضوئي يوضح حالة التشغيل.
شواحن الهواتف: خطر خفي في جيبك
تُعد شواحن الهواتف الذكية من أبرز المنتجات الكهربائية المسببة للحرائق، وقد يؤثر اختيارها بشكل كبير على أداء الجهاز وسلامته. مع الانتشار الواسع للشواحن المقلّدة في الأسواق، بات من الضروري معرفة الفرق بين الشاحن الأصلي والمقلّد لتجنب الأضرار المحتملة التي قد تتراوح بين تلف البطارية ونشوب حرائق مدمرة.
يمكن تمييز الشواحن الأصلية من المقلّدة عبر عوامل عدة؛ أولها: يُلاحظ الاختلاف في جودة المواد والتصميم؛ إذ تُصنع الشواحن الأصلية بمواد ذات جودة عالية وتكون متينة ومتقنة الصنع مقارنة بالمقلّدة التي غالباً ما تظهر بها عيوب في الصنع، مثل الحواف غير المصقولة أو المواد البلاستيكية الرخيصة. ويعد ارتفاع درجة حرارة الشاحن بشكل مفرط أحد أبرز الجوانب التي تكشف الشاحن المقلد عن الأصلي؛ فالشواحن الأصلية مصممة للعمل ضمن درجات حرارة آمنة. ويُوصى بفحص سرعة الشحن وأداء الجهاز عند استخدام الشاحن؛ إذ إن الشواحن المقلّدة قد تؤدي إلى ارتفاع حرارة الهاتف وبطء الشحن، وقد تتسبب في تلف دائم للبطارية أو حتى انفجارها. ينصح الخبراء بشدة بالشراء من المتاجر الموثوقة أو مباشرة من الشركة المصنعة لتجنب المخاطر الجسيمة، التي قد تشمل تلف البطارية أو نشوب حرائق كارثية.
تحذيرات الخبراء: توصيلات تحت المفارش.. وصفة للكارثة
كشف الخبير الأمني اللواء متقاعد محمد الغامدي، عن مشكلات شائعة وخطيرة، خصوصاً فيما يتعلق بالأجهزة الكهربائية المقلدة ومنها الشواحن. وأشار إلى أن هذه المنتجات عادة ما تظهر بها مقابس مزيفة، فتكون المسامير المعدنية مكشوفة، والعزل الأساسي ضعيف وغير كافٍ للحماية. كما أن المكونات الداخلية لا تتوافق مع لوحة المواصفات الخارجية للشاحن، وبالتالي تكون سبباً مباشراً في حدوث تلف الجهاز ونشوب حريق.
وأضاف اللواء الغامدي محذراً: “إن التوصيلات الكهربائية الرديئة خطر يهدد الأرواح، ووصف الشواحن والتوصيلات الكهربائية الرديئة بـ«الموت المحقق»”. مؤكداً أنها أحد أبرز مسببات الحرائق في المنازل، وذلك بسبب تمديدها تحت المراتب والمفروشات وأسفل الستائر دون العناية بما قد تسببه درجات الحرارة المرتفعة في الأثاث، التي قد تصل إلى نشوب الحرائق بسرعة مذهلة. مشيراً إلى أن تلك التصرفات خطيرة للغاية، ولو عرف الناس ما تشكله من خطر حقيقي على حياتهم وممتلكاتهم لما تم وضعها أسفل المفارش أو في أماكن غير آمنة.
وشدد اللواء الغامدي على أنّ مشكلة المنتجات الكهربائية قد تكمن في عدم الالتزام بالمواصفات والمقاييس المعتمدة، إذ إنها لا تتحمّل الحرارة أو الأحمال الكهربائية الزائدة التي صُممت الأجهزة الأصلية لتحملها. ورفض اللواء محمد الغامدي أن يكون السعر هو المقياس الوحيد في شراء الأدوات الكهربائية، مشدداً على ضرورة النظر للجودة والمواصفات الفنية قبل شراء أي منتج متعلق بالكهرباء، فالسلامة لا تقدر بثمن.
سلسلة رقابية متكاملة لضمان سلامتك
تضطلع الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة (SASO) بدور حيوي في حماية المستهلكين من مخاطر المنتجات الكهربائية الرديئة. أوضحت الهيئة أن التوصيلات الكهربائية المعتمدة والمطابقة للمواصفات القياسية، تتميز بأنها تحمي الأطفال من الوصول إلى الأجزاء المكهربة، وتحمي الأجهزة من التلف لقيامها بفصل الكهرباء عن الجهاز في حال وجود تيار عالٍ، وبالتالي فهي وسيلة آمنة داخل البيوت إذا تم استخدامها بطريقة صحيحة. وفي المقابل، تمثّل التوصيلات الكهربائية الرديئة وغير المطابقة للمواصفات والمقاييس، تهديداً حقيقياً على سلامة المستهلك، وتتسبب في خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات.
وتبذل الهيئة جهوداً متنوعة في مجال إصدار المواصفات القياسية السعودية، والمشاركة في تطبيقها ليحصل المستهلك على منتج مطابق للمواصفات القياسية. كما أنها شكلّت بالتعاون مع وزارة التجارة والاستثمار، ومصلحة الجمارك والجهات ذات العلاقة، سلسلة رقابية متكاملة للتأكد من تطبيق المواصفات القياسية السعودية، والأنظمة واللوائح التي تم اعتمادها، مثل نظام الاعتراف بشهادات المطابقة للإرساليات المستوردة. هذه الجهود المتواصلة تهدف إلى سد الثغرات ومنع دخول المنتجات غير المطابقة إلى الأسواق المحلية، مما يعزز من مستوى الأمان العام.
الدفاع المدني: تحذيرات مستمرة لسلامة المجتمع
يُعد الدفاع المدني خط الدفاع الأول ضد الحرائق والكوارث، ويقوم بدور توعوي حيوي في نشر الوعي بمخاطر الكهرباء. فقد حذّر الدفاع المدني مراراً وتكراراً من استخدام توصيلات كهربائية رديئة حتى لا تؤدي إلى وقوع حرائق التماس الكهربائي المدمرة. وأوضح أن من الأسباب الرئيسية لحرائق التماس الكهربائي التوصيلات الرديئة وتحميلها أحمالاً زائدة تفوق قدرتها الاستيعابية، بالإضافة إلى عدم تركيب قواطع أوتوماتيكية مناسبة في الدوائر الكهربائية.
من جانبها، حذّرت الهيئة السعودية للمواصفات من استخدام التوصيلات غير المطابقة، التي تُصنّف من المنتجات عالية الخطورة؛ نظراً لما تسببه الحوادث الناجمة عنها من خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات. وبينت أنها شكلت مجموعة عمل ضمن الفريق الفني الخاص بالنظم والملحقات الكهربائية لتحديث اللائحة الفنية الخاصة بالتوصيلات الكهربائية لتفادى بعض المشكلات، التي يواجهها المصنّعون والمورّدون في تطبيقها مع ضمان توفر متطلبات السلامة للمستهلك. كما تمت إضافة التوصيلات الكهربائية ضمن المنتجات التي تراقبها الهيئة في الأسواق بشكل دوري ومكثف، لضمان التزام الجميع بمعايير السلامة.
مسؤوليتنا جميعاً: نحو بيئة منزلية آمنة
إن حماية المنازل والأسر من مخاطر الكهرباء ليست مسؤولية الجهات الحكومية وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تقع على عاتق كل فرد. فالمستهلك الواعي هو خط الدفاع الأول ضد المنتجات الرديئة والمقلدة. من خلال اختيار المنتجات الكهربائية ذات الجودة العالية، والالتزام بإرشادات السلامة، وتجنب الممارسات الخاطئة مثل تمديد التوصيلات تحت الأثاث أو تحميلها فوق طاقتها، يمكننا جميعاً المساهمة في بناء بيئة منزلية أكثر أماناً. تذكر دائماً أن الاستثمار في منتجات كهربائية آمنة هو استثمار في حياتك وحياة أحبائك، وأن السلامة لا تقبل المساومة.


