كشفت منظمة “دي يمنت” للحقوق والتنمية، في تقرير حديث صدر مؤخراً، عن تصاعد خطير في الانتهاكات التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المحامين والمحاميات في العاصمة اليمنية صنعاء، التي تقع تحت سيطرتها. ووثق التقرير ما مجموعه 382 انتهاكاً خلال الفترة الممتدة من الأول من يناير 2023 وحتى الحادي والثلاثين من ديسمبر 2025، مما يعكس تدهوراً مقلقاً في سيادة القانون وحقوق الإنسان.
وأوضحت المنظمة، خلال ندوة حقوقية أقيمت في مأرب، أن فريقها رصد 159 انتهاكاً خلال العام 2025 وحده، وهو ما يمثل زيادة ملحوظة مقارنة بـ135 انتهاكاً سجلت في عام 2023، و88 انتهاكاً في عام 2024. وتؤكد هذه الأرقام أن الانتهاكات الممنهجة التي تطال المدافعين عن الحقوق والحريات تمثل تقويضاً خطيراً لمنظومة العدالة وسيادة القانون في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
تأتي هذه الانتهاكات في سياق الصراع اليمني المستمر منذ أواخر عام 2014، عندما سيطرت جماعة الحوثي على صنعاء، مما أدى إلى انهيار مؤسسات الدولة وتدهور الأوضاع الإنسانية والحقوقية بشكل غير مسبوق. فمنذ ذلك الحين، شهدت المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة تضييقاً مستمراً على الحريات العامة والخاصة، بما في ذلك استهداف العاملين في المجال القانوني والقضائي، في محاولة لإحكام قبضتها على كافة مفاصل الحياة المدنية.
إن مهنة المحاماة تعد ركيزة أساسية لأي نظام عدلي يحترم حقوق الإنسان ويضمن المحاكمة العادلة. فالمحامون هم خط الدفاع الأول عن الأفراد في مواجهة السلطة، وضمانة أساسية لتطبيق القانون وحماية الحريات. وفي مناطق النزاع، يزداد دورهم أهمية في توثيق الانتهاكات وتقديم المساعدة القانونية للضحايا، مما يجعل استهدافهم محاولة لإسكات الأصوات المطالبة بالعدل. استهداف المحامين لا يمثل فقط انتهاكاً لحقوقهم المهنية والشخصية، بل هو هجوم مباشر على مبادئ العدالة نفسها، ويقوض الثقة في أي عملية قضائية.
وفي هذا الصدد، أكد الأمين العام لمنظمة “دي يمنت”، فهمي الزبيري، أن استهداف مهنة المحاماة يمثل عدواناً مباشراً على ركائز العدالة وضمانات المحاكمة العادلة. وأشار إلى أن ما يحدث في صنعاء يعكس توجهاً ممنهجاً لإخضاع القضاء وتكميم صوت المدافعين عن الحقوق، مما يهدد بتقويض أي أمل في استعادة دولة القانون والمؤسسات.
وقد عرضت الندوة، التي حملت عنوان “محامون تحت القمع”، ثلاث أوراق عمل ناقشت الإطار القانوني لمهنة المحاماة في اليمن، وطبيعة الانتهاكات في مناطق الحوثيين وآثارها المدمرة على المجتمع. وأكد المشاركون أن ما يحدث في صنعاء يمثل عبثاً بقانون المحاماة وتسييساً للقضاء، مما يحرم المواطنين من حقهم الأساسي في الدفاع العادل ويجعلهم عرضة للاعتقال التعسفي والمحاكمات غير النزيهة.
إن تداعيات هذه الانتهاكات تتجاوز المحامين أنفسهم لتطال المجتمع بأسره. فعلى الصعيد المحلي، يؤدي تقويض دور المحامين إلى حرمان المواطنين من الوصول إلى العدالة، ويخلق بيئة من الخوف والإفلات من العقاب، مما يفاقم من معاناة السكان ويزيد من انتهاكات حقوق الإنسان. أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن استمرار هذه الانتهاكات يعرقل جهود السلام ويقوض الثقة في أي عملية سياسية مستقبلية، كما يضع تحديات كبيرة أمام آليات المساءلة الدولية عن جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان في اليمن، ويؤثر سلباً على صورة الجماعة أمام المجتمع الدولي.
وشدد المشاركون في الندوة على ضرورة الإفراج الفوري عن جميع المحامين المحتجزين تعسفياً، وفي مقدمتهم المحامي عبدالمجيد صبرة، ووقف كافة أشكال التضييق والملاحقة بحقهم. ودعوا المجتمع الدولي وهيئات الأمم المتحدة إلى إدراج هذه الانتهاكات ضمن تقاريرها الدولية، وتفعيل آليات التحقيق والمساءلة الدولية لضمان عدم إفلات مرتكبيها من العقاب، وإعادة الاعتبار لسيادة القانون.
واختتم المشاركون بالتأكيد على أن حماية المحامين ليست مجرد ضرورة مهنية، بل هي ضرورة وطنية لحماية المجتمع بأسره وضمان حقوق أفراده في ظل الظروف الراهنة التي تشهدها اليمن.


