في تحول سياسي لافت، صوت البرلمان المجري اليوم (الأربعاء) على إلغاء قرار رئيس الوزراء السابق فيكتور أوربان بالانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية. هذا القرار يعكس تغييراً جذرياً في السياسة الخارجية للمجر، ويعيدها إلى الالتزام بالمعايير القانونية الدولية، خاصة فيما يتعلق بمسؤولية الدول الأعضاء في تنفيذ مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة. تأتي هذه الخطوة في إطار تعزيز سيادة القانون في المجر تحت قيادة رئيس الوزراء الجديد بيتر ماجيار، بعد انتهاء فترة حكم أوربان التي استمرت 16 عاماً.
المحكمة الجنائية الدولية: السياق التاريخي ودورها العالمي
تأسست المحكمة الجنائية الدولية (ICC) بموجب نظام روما الأساسي عام 1998، وبدأت عملها في عام 2002، وتعد أول محكمة دولية دائمة تختص بمحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب أخطر الجرائم التي تثير قلق المجتمع الدولي بأسره، مثل الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان. يقع مقر المحكمة في لاهاي بهولندا، وتهدف إلى ضمان عدم إفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب، وتعزيز سيادة القانون على المستوى الدولي. لطالما كانت المجر، كعضو في الاتحاد الأوروبي، جزءاً من هذا الإطار القانوني الدولي، إلا أن حكومة فيكتور أوربان السابقة اتخذت موقفاً مغايراً، معلنةً نيتها الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية العام الماضي، في خطوة فُسرت على أنها محاولة لتجنب الالتزامات القانونية المحتملة تجاه شخصيات دولية معينة، ومنها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
تحول سياسي في بودابست: عودة المجر إلى حضن العدالة الدولية
يمثل تصويت البرلمان المجري الأخير نقطة تحول مهمة. فبعد الانتخابات التي جرت الشهر الماضي وأفضت إلى تولي بيتر ماجيار رئاسة الوزراء، تعهدت الحكومة الجديدة بتعزيز سيادة القانون والعودة إلى التوافق مع القيم والمؤسسات الأوروبية. قرار الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية كان أحد القرارات التي أثارت جدلاً واسعاً، واعتبره الكثيرون خروجاً عن التزامات المجر الدولية. وبإلغاء هذا القرار، تعود المجر للانضمام إلى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي البالغ عددها 27 دولة، والتي تلتزم جميعها بالولاية القضائية للمحكمة الجنائية الدولية. هذا يعني أن المجر ستكون ملزمة قانونياً بالتعاون مع المحكمة، بما في ذلك تنفيذ مذكرات التوقيف الصادرة عنها.
تداعيات القرار: التزام المجر بالقانون الدولي ومستقبل العلاقات
هذا التراجع له تداعيات كبيرة على الصعيدين المحلي والدولي. محلياً، يعزز من مصداقية الحكومة المجرية الجديدة في التزامها بالمعايير الديمقراطية وسيادة القانون. دولياً، يرسل رسالة واضحة بأن المجر تعود إلى الصف الأوروبي فيما يتعلق بالعدالة الدولية، وقد يؤثر على علاقاتها مع الدول التي كانت تدعم موقف أوربان السابق. الأهم من ذلك، أن هذا القرار يعيد المجر إلى الالتزام بتنفيذ أي مذكرات توقيف تصدرها المحكمة الجنائية الدولية. وقد أكد رئيس الوزراء ماجيار أن المجر ستلتزم بتنفيذ هذه المذكرات مستقبلاً، في حال زيارة نتنياهو للبلاد، وهو ما يضع رئيس الوزراء الإسرائيلي أمام التزام قانوني محتمل في حال سفره إلى الدول الموقعة على ميثاق المحكمة.
مذكرات التوقيف المحتملة: نتنياهو والمحكمة الجنائية الدولية
في مايو 2024، طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، إصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يوآف غالانت، بالإضافة إلى ثلاثة من قادة حماس، بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة. هذا الطلب، الذي لا يزال قيد الدراسة من قبل الدائرة التمهيدية للمحكمة، يضع الدول الموقعة على ميثاق المحكمة أمام التزام قانوني محتمل بتنفيذ هذه المذكرات حال صدورها. عودة المجر إلى الولاية القضائية للمحكمة الجنائية الدولية تعني أنها ستكون ضمن الدول التي قد تُطالب بالقبض على نتنياهو في حال دخوله أراضيها، مما يضيف طبقة جديدة من التعقيدات على تحركاته الدولية ويؤكد على أهمية الالتزام بالمبادئ الأساسية للعدالة الدولية.


